أثر الـزكـاة فـي الحد من الـتضـخـم الـنقـدي

إعداد الدكتور: محـــمــد عبد الحليم هـــيكـل
مراجعة الأستاذ الدكتور: فياض عبد المنعم حسانين

التضخم هو أحد الأمراض الاقتصادية والاجتماعية التي تعبث في جسد الاقتصاد القومي، وتحدث فيه اختلالات سيئة، وقد انتشر هذا المرض في عدد كبير من دول العالم، واشتدت الموجات التضخمية خاصة في السبعينات من القرن العشرين، حتى تحولت إلى ظاهرة عالمية، اتجهت نحوها العقول الاقتصادية لدراستها بغية الوصول إلى حلول لإيقاف تفاقم هذا المرض الزاحف، والقضاء على آثاره السيئة.
والتضخم النقدي: هو عبارة عن زيادة وسائل الشراء بين أيدي الجمهور دون أن يُقابلها زيادة في الإنتاج أو السلع المتداولة … أو هو اختلال التوازن بين حاجة الناس إلى وسائل المُبادلة وبين كمية هذه الوسائل في وقت معين، بمعنى أن تزيد كمية النقود زيادة ينجم عنها هبوط في قوتها الشرائية، مما يؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات، فالتضخم يرتبط بكمية النقود من جانب وبوظائفها من جانب آخر، فإذا زادت وسائل الشراء “النقود” وبقيت كمية السلع وإنتاجها كما هي اتجهت الأسعار إلى الارتفاع مع انهيار القوة الشرائية للنقود (1).
وهذا الارتفاع في الأسعار الذي يوصف به التضخم النقدي ارتفاع متواصل الصعود؛ لأن طابع التضخم أنه ارتفاع تراكمي في الأسعار. وينتج عنه زيادة في الطلب على استهلاك السلع والخدمات أو على الاستثمار فيها زيادة تفوق وتتجاوز قدرة العرض الكلي لها، ولهذا تبدأ الأسعار في الارتفاع، فيحدث التضخم في الاقتصاد.
وتتعدد أسباب التضخم فمنها ما يرجع لأسباب طبيعية: مثل قلة الأمطار، والكوارث الطبيعية، وشح الماء، والذي يؤدي إلى نقصان المواد الزراعية الأساسية، أو حصول الأمطار الغزيرة وبالتالي حصول الفيضانات والسيول، مما يؤدي إلى إنهاك المواد الزراعية والتي تعتبر المواد الأولية للحياة من زراعية وصناعية واقتصادية وهذا بدوره يؤدي إلى زيادة الطلب، مع قلة العرض “التضخم”.
ومنها ما يكون سبباً غير طبيعي هو من فعل الإنسان، مثل أن يصرف الإنسان الحاصل الاقتصادي بدون أن يشترك في الإنتاج، أو أن يصرف الحاصل في أشياء خارجة عن نفع المجتمع، أو أن يتجه الإنسان لتدمير أخيه الإنسان، والحروب والتجهيزات العسكرية، والحصار الاقتصادي الذي تمارسه دول ضد أخرى، والفوائد والضرائب المتزايدة، وعدم وجود الدراسات الاقتصادية ذات الفاعلية الاقتصادية بسبب تخلف الأنظمة الاقتصادية، وكذلك أسواق المال “البورصات”(2).

آثار التضخم (3):

  1. إعادة توزيع الدخل، وتقليص حجم الادخار والاستثمار.
  2. ارتفاع الأسعار بالنسبة للطبقات الفقيرة.
  3. استمرار التضخم يزيد تفضيل الاحتفاظ بالسلع والعقارات عن النقود.
  4. زيادة سرعة تداول النقود زيادة كبيرة عندما يصبح الأفراد أقل رغبة في الاحتفاظ بها.
  5. حدوث عجز في ميزان المدفوعات عندما ترتفع أسعار الصادرات أو تنعدم الصادرات والذي يؤدي بدوره إلى فقدان الواردات.
  6. فقدان الثقة في العملة النقدية المحلية، بحيث يصبح الأفراد يفضلون الاحتفاظ بالعملات الصعبة لأنها أكثر استقراراً في سعرها.
  7. انخفاض قيمة العملة انخفاضاً كبيراً يؤدي إلى تكالب الناس على شراء العملة الصعبة مما يساعد على انهيار قيمة النقود المحلية.
  8. سلبية ظاهرة التضخم من وجهة نظر التنمية الاقتصادية، لتشجيعها الاستهلاك ومن ثم الاستثمار غير المنتج أو المضاربي.
  9. صعوبة تنفيذ المشروعات بصفة نهائية لصعوبة تقدير ارتفاع الأسعار خلال فترة انجاز هذه المشروعات، وعليه يصبح التخطيط صعب التنفيذ.
  10. انخفاض قيمة النقود يؤدي إلى كسب المدينين وخسارة الدائنين مما يؤدي إلى فقدان روح التعاون بين أفراد المجتمع مما يجعل العلاقة القائمة بينهم مبنية على العلاقات المادية دون العلاقات الأخلاقية والروحية.
  11. ظهور المضاربات في السوق السوداء.
  12. تخفض جودة بعض السلع بسب سهولة تسويق السلع الرديئة في ظل ارتفاع الأسعار.

والإسلام ليس بمعزل عن هذه المشكلات، بل له موقف إيجابي منها من خلال الزكاة فهي فريضة مالية أجدر على المساهمة في حل الأزمات الاقتصادية والمشكلات المالية، ووسيلة يمكن أن يحقق من خلالها العديد من الأهداف الاقتصادية والتنموية في المجتمع المسلم مثل: مكافحة الفقر والإقلال منه، وإعادة توزيع الدخول، وتحريك الدورة الإنتاجية نحو النمو والازدهار وتنشيط الاستثمار، والحد من آثار التضخم النقدي، وغير ذلك من الجوانب الاقتصادية المتنوعة.
وتسهم الزكاة في الحد من التضخم النقدي بمعالجة أسبابه وذلك من خلال دعم القطاعات الإنتاجية المتنامية: حيث يؤدي تزايد الطلب على إحدى المنتجات السلعية إلى زيادة الاستثمار في هذا القطاع وزيادة الطلب على عوامل الإنتاج الذي ينعكس على ارتفاع أسعار هذه العوامل، وينتقل ارتفاع الأسعار إلى منتجات القطاعات الأخرى التي لا تجد عوامل الإنتاج الكافية لإنتاج المطلوب منها، وتخفف الزكاة من هذا النوع من التضخم نظراً لأن القطاعات والمؤسسات ذات الكفاءة المتدنية تقع تحت ضغط تخفيض مواردها لكي تُخفض من استحقاق زكاته، مما يؤدي إلى توفير الموارد الإنتاجية للقطاعات الأخرى المتنامية وبأسعار أقل منها في حالة الاقتصاديات التقليدية(4).
كما تعمل الزكاة على مكافحة تضخم الأجور والأسعار حيث إنَّ الأجور المُرتفعة تُعتبر أحد الأسباب الرئيسية لتضخم النفقات؛ إذ يُقابل ارتفاع تكلفة عُنصر العمل البشري رفع المُنتجين للأسعار مما يُشكل عبئًا جديداً على الدخول، وهكذا تتوالى عمليات الارتفاع في كل من الأجور والأسعار، إلا أن المجتمعات الإسلامية ليست في حاجة إلى سياسات تقليدية لحل تلك المُشكلة؛ لأن فريضة الزكاة تقوم بالإنفاق على من أقعده عجزه عن العمل واستكمال كفايته، بينما لا يُعطى القادر على العمل مما يضطره إلى الاجتهاد في عمله (5).
كذلك تسهم الزكاة في تحقيق التشغيل الأمثل لطاقات الإنتاج: حيثُ إِنَّ فريضة الزكاة هي العلاج الأمثل للقضاء على الطاقات الإنتاجية العاطلة والمكنوزة، فهي تطرح اختيارين لاستخدام رؤوس الأموال النامية “فعلاً وتقديراً”، فإما أن يتم تشغيلها في أوجه الاستثمار المختلفة وإما أن تتناقص سنويًا بقسط ثابت، وهو قيمة الزكاة الواجبة فيها. ففريضة الزكاة تُعد نفقةً وعبئاً على رؤوس الأموال المُعطلة، بينما ينخفض هذا العبء على رؤوس الأموال العاملة، حيثُ يتم إخراج زكاة الأموال العاملة من عائدها وأرباحها مع العمل على خصم كافة النفقات، مما يُسهم في التخفيف من الضغط التضخمي المتراكم والناجم عن بقاء جزء من رؤوس الأموال الإنتاجية معطلاً (6).
كما تخفف الزكاة من أعباء رأس المال: حيثُ إِنَّ التكلفة الناجمة عن احتساب سعر الفائدة على الأموال المُقتَرضة يُعد أحد أهم أسباب ارتفاع تكاليف الإنتاج، لذلك فإن التقلبات التي تطرأ على سعر الفائدة إنما تؤثر على سعر المنتج مما يؤدي إلى إضافة عُنصر جديد إلى عناصر التضخم (7).
كما تحد الزكاة من التضخم بعد حدوثه وذلك من خلال: تبني الحكومة في سياستها النقدية دفع الزكاة العينية: لأنه يؤثر على حجم كمية النقود في الاقتصاد، وهو يؤثر تأثيرًا مباشرًا في اتجاه محاربة التضخم، كذلك فإن جباية وتوزيع زكاة الزروع والثمار وزكاة بهيمة الأنعام في صورتها العينية يسهم إلى درجة كبيرة في الاحتفاظ للنقود بقيمتها الشرائية دون تدهورها، ويسهم أيضًا في تحقيق منفعةِ آخِذِ الزكاة (8).
وذلك لأن دفع الزكاة نقدًا إلى مستحقيها يزيد من قدرتهم الشرائية الاستهلاكية، لا سيما إذا كان إخراجها في فترة محددة كشهر رمضان، مما يؤدي إلى الزيادة في الطلب على السلع الاستهلاكية والخدمات، وسينتج عن هذا ارتفاع في المستوى العام للأسعار مما يعني ازدياد معدل التضخم النقدي.
ويمكن تلافي ما قد ينجم عن إخراج الزكاة في وقتها “نقدًا” من زيادة معدل التضخم النقدي بسبب زيادة الاستهلاك، بأن يخرج أصحاب الأموال زكاة أموالهم النقدية في وقتها إلى الإمام أو ما ينوب عنه من أجهزة الدولة، وهي تتولى صرفها إلى مستحقيها تدريجياً، فتبرأ بذلك ذمة صاحب المال؛ لأن الإمام أو نائبه يقومان مقام أهل الزكاة في قبضها (9).
كما تحد الزكاة من التضخم النقدي من خلال سياسة تقديم وتأخير تحصيل الزكاة، كواحدة من السياسات المالية للتأثير على الطلب العام، أو طلب فئات معينة، مما يؤثر في معدلات التضخم في الاتجاه المرغوب، وذلك منوط بالمصلحة العامة للأمة، بحيث يؤخر تحصيل الزكاة إذا كان من المرغوب إبقاء الأموال بأيدي الناس وتشجيع الطلب العام “استهلاكا واستثمارًا“، وتعجيل تحصيلها عندما يراد تخفيف كمية النقود بأيدي الناس. فإن النبي صلى الله عليه وسلم، قدم تحصيل الزكاة من عمه لعامين”(10)، وعمر رضي الله عنه أخر الزكاة في الحجاز عام الرمادة، وأمر أن تجبى من قابل عن عامين (11).
والتعجيل والتأخير يمكن أن يكونا من عام لآخر، فكذلك يمكن أن يكونا أثناء العام نفسه. فتعجل الحكومة تحصيل الزكاة أو تؤخره على كل نوع من أنواع الأموال الخاضعة للزكاة أو عليها كلها معًا حسب المصلحة القصيرة الأجل في إحداث تغييرات مطلوبة في الطلب العام، أو الطلب لدى فئات وشرائح معينة من الناس “هم مالكو الأموال التي تؤخر أو تعجل زكاتها”(12).
كما يحد من التضخم النقدي من خلال توجيه أصحاب أموال الزكاة زكاة أموالهم في الأصناف التي لا يفضي دفع الأموال لها أو فيها إلي زيادة معدل الإنفاق الاستهلاكي، كمصرف: في سبيل الله، والغارمين وذلك بإيفاء الديون التي في ذممهم (13). قال ابن العربي:” والصنف الواحد في جهة المصرف والمحلية كالأصناف الثمانية”(14).
وبذلك يكون للزكاة دور فاعل في الحد من ظاهرة التضخم النقدي، بالإضافة إلى إجراءات وتدابير أخرى من شأنها مكتملة معالجة التضخم النقدي.

(1) انظر: الزكاة ودورها في توفير حد الكفاية وتحقيق التنمية: لمحمد أحمد جبر: 180، التضخم النقدي في الفقه الإسلامي، لخالد المصلح، ط1 دار ابن الجوزي، الرياض 1438هــ/2017م: 77.
(2) التضخم والكساد “دراسة في مشكلات النقود وتغيرات الأسعار”: لوضاح رجب، 1430هـ/2009م: 51.
(3) المرجع السابق: 101 وما بعدها، التضخم في الفقه الإسلامي: خالد المصلح: 96.
(4) التضخم والكساد: لوضاح رجب: 166.
(5) انظر: الزكاة ودورها في توفير حد الكفاية وتحقيق التنمية: لمحمد أحمد جبر، مطبوعات مركز صالح كامل، جامعة الأزهر، القاهرة 1439هـ/ 2018م: 182.
(6) المرجع السابق: 183.
(7) المرجع السابق: 183.
(8) دور السياسات المالية وضوابطها في إطار الاقتصاد الإسلامي: لمنذر قحف، كتاب منشور على الشبكة العنكبوتية: 46 وما بعدها.
(9) انظر: التضخم النقدي في الفقه الإسلامي: خالد المصلح: 346.
(10) الأموال: لأبي عبيد، ت: محمد عمارة، ط1 دار الشروق، القاهرة/ بيروت 1409هـ/1989م: 699 وما بعدها.
(11) المرجع السابق: 472.
(12) دور السياسات المالية وضوابطها في إطار الاقتصاد الإسلامي: لمنذر قحف: 45 وما بعدها.
(13) الزكاة وأثرها الاقتصادي والاجتماعي في معالجة التضخم النقدي وإعادة توزيع الدخل” دراسة تأصيلية من منظور الاقتصاد الإسلامي”: لأحمد محمد أبو طه، بحث منشور على الشبكة العنكبوتية: 517.
(14) أحكام القرآن: لابن العربي، ت: محمد عبد القادر عطا، ط3 دار الكتب العلمية، بيروت، 1434هـ/2003م: 2/522.

Comments are disabled.