الجوانب الاقتصادية لنظام الإرث في الإسلام (3) – “تكوين الملكية الخاصة”

إعداد الدكتور: محـــمــد عبد الحليم هـــيكـل
مراجعة الأستاذ الدكتور: فياض عبد المنعم حسانين

تناولت في مقال سابق أثر الإرث في إعادة توزيع الثروة من منظور الاقتصاد الإسلامي، ونستكمل أثره في تكوين الملكية الخاصة. وفي البداية نوضح المفهوم الاقتصادي للملكية الخاصة، وأنواع الملكية.
تنقسم الملكية في النظام الاقتصادي الإسلامي إلى ثلاثة أنواع: –
الملكية العامة: وهي التي يكون صاحبها مجموع الأمة أو جماعة من الجماعات التي تتكون منها الأمة بوصف أنها جماعة، لأن الأموال المنتفع بها تتعلق بهم جميعًا، لا يختص بها أحد منهم؛ فمتى صار الانتفاع بشيء معين متعلقًا بحاجة الجماعة فلا يجوز أن يملك ملكية خاصة، وإنما هو ملك للجميع، ويكون انتفاع كل فرد منهم على اعتبار أنه واحد منهم. فلا يكون له اختصاص به ولا تجاوز لانتفاع غيره، فإذا حدث التعارض بين الأفراد؛ وجبت المشاركة بينهم على أساس العدل والمساواة، بحيث لا يمنع انتفاع أحدهم من انتفاع الآخرين (1).
ملكية الدولة: هي التي يكون صاحبها بيت المال بصفته شخصًا معنويًا أو اعتباريًا كالأموال الخاصة في أيدي أصحابها، يحق لولي الأمر أن يتصرف فيها: أنواع التصرفات الشرعية، من أجل تحقيق المصلحة العامة (2).
الملكية الخاصة: وهي كل ملكية للمال تعود إلى فرد أو مصلحة خاصة أو مجموعة من الأفراد على سبيل الاشتراك (3). وهذه الملكية تُراعى فيها مصلحة الجماعة من جهة – كما تراعى فيها حسن تصرف الفرد فيما استخلفه الله عليه في ملكه من جهة أخرى (4).
والملكية الخاصة شرعت وأقرت في الاقتصاد الإسلامي تجسيداً لمبدأ الحرية الاقتصادية التي يكفلها الإسلام للأفراد ليتمكنوا من العمل والإنتاج والإبداع، واستجابة لميول الإنسان الطبيعي في حب التملك، وتكريماً للإنسان ليحيى حياة طيبة، وتمكيناً له للقيام بمسؤوليته في إعمار الأرض، وتحقيق العدالة الاجتماعية. فإن الإنسان يحمل عن خالقه مسؤولية الخلافة العامة بجعلٍ من الله تعالى كما جاء في قوله تعالى:” ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ ‌خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]، والملكية الخاصة التي يمنحها النظام الإسلامي للأفراد تمكنهم من القيام بمسؤولياتهم الاجتماعية وفق مفهوم الاستخلاف بنص القرآن الكريم ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ ‌مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد:7]. وبهذا تكون الملكية الخاصة أسلوباً من أساليب أداء الوظيفة الاجتماعية، ومظهراً من مظاهر الخلافة العامة، وفرع التكليف بها (5).
مظاهر تفرد الاقتصاد الإسلامي: حيث يعتمد في بناء نظامه على الأشكال المتعددة للملكية “خاصة، وعامة، ودولة”، ولشتى أنواع الأموال ” أعيان ومنافع وحقوق”، وبذلك يخالف الاقتصاد الإسلامي تمامًا الاقتصاد الرأسمالي الجانح إلى الملكية الخاصة، والاقتصاد الاشتراكي الجانح إلى الملكية العامة أو ملكية الدولة، لأنه يعترف بكل أنواع الملكية، ويعطي لكل نوع منها حقه في النشاط الاقتصادي المحدد له في مجاله وحقله، وفق ضوابط وتصميمات شرعية، الهدف منها تحقيق التنمية الاقتصادية، وتلبية حاجات الإنسان والبلوغ به مستوى الرفاهية والتكريم (6). كما أن النظام الاقتصادي الإسلامي يفرض طائفة من التكاليف والالتزامات على المالك لمصلحة المجتمع، وهذه التكاليف والالتزامات قابلة للقبض والبسط فتضيق وتتسع على ضوء الضرورات المحيطة بالمجتمع الذي يحيا فيه المالك، حتى تصير ملكية المال أقرب ما تكون إلى وظيفة اجتماعية يؤديها مالك المال في خدمة المجتمع (7).
الأسباب التي تكون الملكية الخاصة: تنوعت أسباب تكوين وكسب الملكية الخاصة في الشريعة الإسلامية لتشمل: وضع اليد على المباح، والعقود الناقلة للملك، والعمل، والقتال، والجناية، والإرث (8).
ولا يعتبر الميراث من الوسائل التي تنشئ الملكية ابتداء، وإنما وسيلة لانتقال الملكية جبراً عن المورث ودون اختيار الوارث -على الأقل في ثلثي التركة-. والميراث في الإسلام يعد من الأدلة التي استدل بها العلماء على إقرار الملكية الخاصة، فهي في الأصل ملكية خاصة، ولم تتحول بعد وفاة صاحبها إلى ملكية دولة، بل بقيت ملكية خاصة في نطاق أسرة المتوفى (9). حيث تنتقل التركة إلى الورثة بطريقة هادئة لأسرة المتوفى وهم امتداده الطبيعي فتبقى الخصوصية مع هذا النوع من الملكية، لذا لا يعتبر انتقال العين إلى الورثة ملكاً جديداً، وإنما بمثابة امتداد للملك القديم (10).
وتظهر الملامح الاقتصادية للإرث في تكوين الملكية الخاصة من خلال: –
إن الإنسان في حال حياته مسلط على أمواله يتصرف فيها حسبما يرى في ظل الضوابط الشرعية. أما بعد وفاته فتزول عنه هذه الملكية ولم يعد له أي تصرف فيها. بل إن الأمور لتصل إلى أن الشارع جعل للشخص مرحلة انتقالية بين الحياة والموت سماها المرض المخوف أو مرض الموت، وفيها قيَّد تصرفاته في أمواله فأجاز بعضها ورفض البعض الآخر، ومعنى ذلك أنه ليس من حق الإنسان أن يوصي بأكثر من ثلث ماله، وليس من حقه أن يتصرف في مرضه المخوف تصرفاً من شأنه أن يلحق الضرر بأحد ورثته.
فالميراث يقول للإنسان طالما أنت صحيح في حياتك فلا علاقة لي بك من حيث تصرفك في أموالك، فإذا ما اقتربت من الموت أخذ حق ملكيتك يضعف حتى يزول كلية بحلول الموت إذ بذلك تحل ملكية أو ملكيات أخرى محل ملكيتك بنظام شرعي لا تدخل لك فيه (11).
كما أن الشارع الحكيم في تقسيمه للمال الموروث على المستحقين له شرعًا يتجه إلى التوزيع الشخصي دون التجميع، حيث لم يجعل وارثًا معينًا ينفرد بالتركة في أغلب الأحيان، وإنما قسمها على عدد كبير من أقرباء الميت وجعل لكل منهم نصيبًا مفروضًا، فأعطى الأبناء والبنات، والآباء والأمهات والأجداد والجدات، فضلًا عن الأزواج والزوجات والإخوة والأخوات والأعمام وأبناء الإخوة وأولاد البنات، وفي بعض الأحيان يكون لذوي الأرحام نصيبًا مفروضًـا من التركة مما يحول دون تجمع الثروة في يد فئة قليلة من أفراد المجتمع من جهة. بنص قوله تعالي: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ ‌دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: 7]. وفي نفس الوقت يوسع من دائرة الانتفاع بالتركة من قبل الورثة على حسب صلتهم بالميت وحاجاتهم من جهة أخرى (12). وهنا تتكون ملكيات خاصة جديدة ناتجة عن هذا التوزيع.
ومما سبق يظهر لنا أن نظام الميراث يعمل على تنظيم الملكية الخاصة وتثميرها، من خلال تأكيد الحافز الذاتي لامتلاك الأموال، لأن علم المورث بأنّ ماله من بعده لأهله، سوف يدعوه للعمل بجد لكسب المال حتى لا يتركهم عالة على الغير (13).
هذه بعض الوقفات حول أثر الإرث في النظام الاقتصادي الإسلامي في تكوين الملكية الخاص، على أن نتناول أثره على الادخار والاستثمار في مقال لاحق.

(1) الملكية وضوابطها في الإسلام: لعبد الحميد البعلي، مكتبة وهبة، القاهرة 1405هـ/ 1985م: 90.
(2) حرمة المال العام في ضوء الشريعة الإسلامية: لحسين شحاتة، ط1 دار النشر للجامعات، مصر 1999م: 20.
(3) الملكية في الشريعة مع المقارنة بالشرائع الوضعية: لعلي الخفيف، دار الفكر العربي، القاهرة 1416هـ/ 1996م: 59.
(4) الملكية في الشريعة الإسلامية ودورها في الاقتصاد الإسلامي: لعبد الله المختار يونس: مؤسسة شباب الجامعة، الإسكندرية 1408هـ/1987م: 155.
(5) الملكية الخاصة في الاقتصاد الإسلامي: وأثرها في التوزيع والمعاملات: لسليمان الشيخ منصور الستري، وآخرون، منتدى الكلمة للدراسات والأبحاث س15، ع59/ 2008م:172،171.
(6) تحقيق التنمية المستدامة بنظام الملكية في الاقتصاد الإسلامي والاقتصاد الوضعي ” دراسة مقارنة”: لقانة الطاهر: الملتقى الدولي حول: مقومات تحقيق التنمية المستدامة في الاقتصاد الإسلامي جامعة قالمة يومي 4،3 ديسمبر 2012م: 366.
(7) الملكية الخاصة وحدودها في الإسلام: لمحمد عبد الله العربي، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، س 4، ع 34، 1384هـ/1964م: 17.
(8) الأشباه والنظائر: للسيوطي، ت: 911هـ، ط1 دار الكتب العلمية، بيروت 1403هـ/1983م: 322، الأشباه والنظائر: لابن نجيم، ت: 970هـ، ت: زكريا عميرات، ط1 دار الكتب العلمية، بيروت 1419هـ/ 1999م:299، الملكية في الشريعة مع المقارنة بالشرائع الوضعية: لعلي الخفيف: 327، الملكية الفردية في النظام الاقتصادي الإسلامي: لمحمد بلتاجي، ط1 دار السلام، القاهرة 1428هـ/ 2007م: 100 وما بعدها.
(9) بحوث في المواريث: لرفيق يونس المصري: ط1 دار المكتبي، سوريا 1420هــ/ 1999م:83،41.
(10) انظر: المرجع السابق: 83،41.
(11) في ظلال البعد الاقتصادي والاجتماعي للميراث: لشوقي دنيا، ندوة نظام المواريث في الإسلام، مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي، جامعة الأزهر، القاهرة 1422هـ/2001م: 8.
(12) انظر: أصول الاقتصاد الإسلامي: لرفيق يونس المصري، ط1 دار القلم، دمشق 1431هــ/2010م:332 وما بعدها.
(13) الخصائص المميزة لنظام المواريث: لمحمد عبد الحليم عمر، ندوة نظام المواريث في الإسلام، مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي، جامعة الأزهر، القاهرة 1422هـ/2001م: 25.

Comments are disabled.