الجوانب الاقتصادية لنظام الإرث في الإسلام (2) – “إعادة توزيع الثروات”

إعداد الدكتور: محـــمــد عبد الحليم هـــيكـل
مراجعة الأستاذ الدكتور: فياض عبد المنعم حسانين

تناولنا في مقال سابق الإرث وأهميته وخصائصه ومقاصده من منظور الاقتصاد الإسلامي. ونستكمل في هذا المقال أثر الإرث في إعادة توزيع الثروة من منظور الاقتصاد الإسلامي. وفي البداية نوضح المفهوم الاقتصادي لمصطلحي التوزيع والثروة.
والمراد بالتوزيع: هو انتقال وتقسيم أو إعادة تقسيم الدخل أو الثروة بين الأفراد سواء عن طريق المعاوضة “كما في المبادلات السوقية” أو عن أي طريق غيرها كالإرث، وسواء تم بين الأفراد “كالهبات والأوقاف” أو بينهم عن طريق الدولة “كزكاة الأموال الظاهرة”، أو بين الدولة والأفراد “كضمان بيت المال الحد الأدنى للمعيشة للفرد”، وسواء أكان إلزاميًا كصدقة الفطر أو تطوعيًا كصدقة الناقلة (1).
وأما المراد بالثروة: فهي مجموع السلع النافعة النادرة والقابلة للتملك، سواء أكانت إنتاجية كالأرض والآلات، أو استهلاكية. كما تشمل الثروة وسائل الدفع أو النقود التي بيد الأفراد، وهي مطاليب على ثروة المجتمع، ولا تعد اقتصاديًا ثروة اجتماعية (2). ويعد التوزيع أحد أهم ركائز علم الاقتصاد، لأن التوزيع ضروري للإنتاج والاستهلاك، حيث يتحدد نمط وحجم الاستهلاك بناء على هيكل التوزيع، كما يتحدد مستوى الإنتاج ونوعيته بناء على نمط الاستهلاك كذلك، فكلما كان هيكل التوزيع متوازناً، كلما كان نمط وحجم الاستهلاك متوازناً (3).
وقد اهتم نظام الاقتصاد الإسلامي بقضية توزيع الثروة بالغ الاهتمام، فهو يسعى إلى التداول المستمر للثروة في ثنايا المجتمع، والحيلولة دون تراكمها أو تضخمها في أيدٍ قليلة منه، ومما يدل على ذلك تشريع الإسلام لكثير من النظم والوسائل الخاصة بتوزيع الثروة، ومن هذه النظم ما هو إلزامي ومنها ما هو تطوعي، ومن أبرز النظم الإلزامية المختصة بتوزيع الثروة نظام الميراث الذي كرسه العدل القرآني في المجتمع الإسلامي، والذي لا يسمح بعد وفاة الشخص أن تظل ثروته مجمدة، أو محتكرة بيد جهة واحدة، بل على العكس يعمل على تفتيتها وإعادة توزيعها بالعدل والإنصاف دون محاباة أو تحامل حتى تعم أكبر عدد مكن من الأصول والفروع (4).

وتظهر الملامح الاقتصادية للإرث في إعادة توزيع الثروة من خلال: –

  1. تداول الثروات بين أفراد المجتمع: وذلك من خلال توزيع التركات على الورثة، وبعد أن كانت الثروة الممثلة في التركة ملكاً لشخص واحد أصبحت بالميراث ملكاً لغيره، وعادة ما يكون غيره هذا أكثر من فرد، وربما كان من قبل فقيراً. ومعنى ذلك أن الميراث يعيد توزيع الثروات من جهة كما أنه يؤثر في نمط وهيكل التوزيع الشخصي بل والوظيفي من جهة أخرى. إنه يوسع من نطاق الملكيات الخاصة، ويداول الثروات بين الأفراد والأسر والعائلات والقبائل … الخ. فهو يحول بين الثروات وتركزها طويلاً في يد فرد واحد أو حتى عائلة واحدة (5).
    فتوزيع المال وانتقاله بين الناس من مقاصد الشريعة في الأموال، وهو ما عبر عنه ابن عاشور بمقصد ” الرواج “، فقال:” المقصود انتقال المال بأيد عديدة في الأمة على وجه لا حرج فيه على مكتسبه”. وقال:” فتيسير دوران المال على آحاد الأمة، وإخراجه عن أن يكون قارًا في يد واحدة، أو متنقلًا من واحد إلى واحد مقصد شرعي، وفهم ذلك من قوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ ‌دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر:7] (6). فالنظام الإسلامي بهذا الأسلوب المحكم يخالف النظام الرأسمالي القائم على الاحتكار، حيث يبيح هذا النظام لفئة قليلة أن تحتكر الثروة، أو المال، أو وسائل الإنتاج وتستبد به، وتوجه الاقتصاد الاجتماعي حسب رغباتها وأهوائها أو مصالحها الخاصة.
  2. تفتيت الثروة منعًا للاكتناز والاحتكار: أراد الشارع الحكيم من الإرث تفتيت الثروة وتجزئتها كي يبقى المال وسيلة للكسب والتداول لا وسيلة للكنز والاحتكار، ونظام الميراث يحد من تكدس الثروة في أيدٍ معينة، ويحد من شرور تضخم الملكيات، ويجزئ الثروات بصفة دائمة، وبنسب عادلة (7). وقد أثيرت شبهات حول هذا التفتيت بأنه يضعف الإنتاج ويبدد الثروات.
    ويرد على ذلك بأن الميراث إذا كان يفتت الثروات، إلا أنه لا يشترط أن يؤدي هذا إلى تفتيت كل ثروة، فقد ورد في بعض الآثار أنه ” لَا تَعْضِيَةَ فِي مِيرَاثٍ ” (8)، أي: لا يفرق ما ينشأ عن تفريقه ضرر، کسيف فلا يكسر نصفين، والأرض إذا كان فيها تقسيم إلى حدود غير اقتصادية حُلَّت المشكلة عن طريق بيع بعض الورثة إلى بعض، أو عن طريق الشركة بينهم، أو التعاونية (9).
    كما أن الإسلام يفتح باب المشاركات فيما بين الورثة، فإذا أراد أحد أن يبيع نصيبه في التركة، وكان نصيبه في مشروع أو كيان مشترك مع الورثة الآخرين؛ فإن الإسلام يعطي الوارث الشريك حق الشفعة، فيقدمه في الشراء على غيره من الناس حتى لا يتضرر بوجود مشتر غريب، وهذا الحق سار في الأراضي والعقارات والمشروعات المشتركة؛ فعن جابر رضي الله عنه أنه قال” قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شِرْكَةٍ لَمْ تُقْسَمْ، رَبْعَةٍ أَوْ حَائِطٍ، لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، فَإِذَا بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ” (10).
    وبذلك نكون قد حافظنا على المشروعات ذات الإنتاج الكبير من ناحية، ومن ناحية أخرى نكون قد وسعنا من قاعدة المنتفعين من هذه الميزات بتقسيم المشروع على عدد الورثة من خلاك تصكيك التركة.
    وفي حالة كون التركة أرضًا زراعية وعدد الورثة كبيرًا، وتمسك كل فرد بحصته تقسم التركة حسب الحصص الشرعية، فقد أثبتت دراسات تطبيقية عديدة قام به خبراء اقتصاديون في بلدان مختلفة أن مساحة هذه المزارع، ومتوسط إنتاج الوحدة من الأرض، مرتبطان ارتباطاً عكسياً. وهذا يعني أن المزارع الصغيرة أكثر كفاءة من المزارع الكبيرة (11). وفي هذا دليل على عدالة وكفاءة وقوة نظام الاقتصاد الإسلامي.
  3. تخفيف الأعباء عن الميزانية العامة للدولة: وذلك من خلال ما يؤول إلى الدولة من جزء من ميراث بعض الأشخاص وذلك في بعض الحالات، وفي حالة أخرى ترث – الدولة (12) – المال كله عند عدم وجود وارث للمتوفى. ويدخل هذا المال الموروث الخزانة العامة إن كان نقداً أو في نطاق الملكيات العامة إن كان مالاً عينياً استهلاكياً أو إنتاجياً. وينفق منه أو من عائده على المصالح العامة شأنه شأن أي إيراد عام آخر.
    وتظهر أيضًا مظاهر تخفيف الميراث العبء عن الميزانية العامة في حالة أن الورثة صغاراً، أو فقراء، أو لا قدرة لهم على العمل، فإذا كان لهم ميراث، فسوف يقوم بسد احتياجاتهم؛ وبذلك يخفف العبء عن ميزانية الدولة. وإلا فعلى الدولة القيام بإشباع احتياجات هؤلاء من الموازنة العامة. قال رسول صلى الله عليه وسلم:”مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا فَإِلَيْنَا” (13).

وبهذا فإن الميراث في بعض الحالات يؤثر على الإيرادات العامة بالزيادة، ومن ثم على النفقات العامة بصورها المختلفة، ومعروف ما للإنفاق العام من آثار كلية اقتصادية إنتاجية وتوزيعية (14).

(1) نظم التوزيع الإسلامية، لمحمد أنس الزرقا، مجلة أبحاث الاقتصاد الإسلامي، جامعة الملك عبد العزيز، جدة، ع 1، مج 2، 1404هـ/ 1984م:4.
(2) انظر: المرجع السابق: 4.
(3) انظر: نحو تطوير نظام المضاربة في المصارف الإسلامية، لمحمد عبد المنعم أبو زيد، ط 1 المعهد العالمي للفكر الإسلامي 1420هـ/ 1999م: 379.
(4) انظر: اقتصاديات الميراث في الإسلام، لعمر فيحان المرزوقي، مجلة مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي، جامعة الأزهر، القاهرة، س 5، ع 14، 1422هـ/2001م: 129.
(5) في ظلال البعد الاقتصادي والاجتماعي للميراث، لشوقي دنيا، ندوة نظام الميراث في الإسلام، مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي، جامعة الأزهر، القاهرة، صفر 1422هــ/أبريل 2001م: 19.
(6) مقاصد الشريعة الإسلامية، لمحمد الطاهر ابن عاشور، ت: حاتم بو سمة، دار الكتاب المصري، القاهرة/ دار الكتاب اللبناني، بيروت 1432هـ/2011م: 308.
(7) انظر: اقتصاديات الميراث في الإسلام، لعمر فيحان المرزوقي: 131.
(8) السنن الكبرى: للبيهقي 10/226 (20447) كتاب آداب القاضي، باب ما لا يحتمل القسمة. وقال: ولا يكون مثل هذا الحديث حجة لأنه ضعيف، … وإنما ضعفه لانقطاعه.
(9) أصول الاقتصاد الإسلامي، لرفيق يونس المصري، ط1 دار القلم، دمشق 1431هـ/ 2010م: 332.
(10) أخرجه مسلم: 3/ 1229 (1608) كتاب المساقاة، باب الشفعة.
(11) انظر: الإسلام والتحدي الاقتصادي، لمحمد عمر شابرا، ترجمة: محمد سهير السمهوري، م: أنس الزرقا، تقديم: محمد سعيد النابلسي، ط1 المعهد العالمي للفكر الإسلامي، أمريكا 1416هـ/ 1996م: 326.
(12) فإذا مات شخص عن مال وليس له وارث مطلقًا، ولم يوجد مقر له بنسب على الغير، ولا موصى له بكل المال، فإن التركة كلها، أو الباقي منها بعد الوصية تؤول إلى بيت المال. وتصرف في مصالح أهل الإسلام. ويبدأ بالأهم فالأهم من سد البثوق وكرى الأنهار وعمل القناطر وإصلاح الطرق والمساجد وأرزاق القضاة والأئمة وكل ما يعود نفعه على المسلمين”. كشاف القناع: 3/ 101،100. الوجيز في الميراث والوصية، ليوسف قاسم: 236.
(13) أخرجه البخاري واللفظ له: 3/ 118(2398) كتاب في المستقرض، باب الصلاة على من ترك دينًا، ومسلم: 3/1237 (1619) كتاب الفرائض، باب من ترك مالًا فلورثته.
(14) في ظلال البعد الاقتصادي والاجتماعي للميراث، لشوقي دنيا: 18،17.

Comments are disabled.