الجوانب الاقتصادية لنظام الإرث في الإسلام (4) – “الادخار والاستثمار”

إعداد الدكتور: محـــمــد عبد الحليم هـــيكـل
مراجعة الأستاذ الدكتور: فياض عبد المنعم حسانين

سبق وتناولت الجوانب الاقتصادية لنظام الإرث في تكوين الملكية الخاصة، ونستكمل بحول الله أثر الإرث على الادخار والاستثمار. وفي البداية نوضح المفهوم الاقتصادي لمصطلحي الادخار والاستثمار.
والادخار في المعنى الاقتصادي العام: هو التوقف عن الإنفاق العشوائي، وهو أمر واجب وحتمي من أجل تحقيق التنمية. أما معناه الاقتصادي الخاص: فهو تأخير الإنفاق إلى أجل معين، شريطة أن يوضع المال المؤجل إنفاقه وإلى حين أجله، لدى هيئة متخصصة في إدارة الادخار (1). والمراد بالمَّدخر: يراد بها ذلك الجزء الذي يقتطعه الشخص من دخله قصد استخدامه لوقت الحاجة شريطة أن يأخذ طريقه إلى الاستثمار (2).
والادخار إنما هو الفرق بين الدخل والاستهلاك خلال فترة زمنية، ويتأثر الادخار بالعوامل التي يتأثر بها الدخل، والعلاقة بين الادخار والدخل علاقة طردية بمعنى إذا زاد الدخل زاد الادخار وإذا قل الدخل قل الادخار.
والاستثمار من المنظور الفقهي يراد به: مطلق طلب تحصيل نماء المال المملوك شرعًا وذلك بالطرق الشرعية المعتبرة من مضاربة ومرابحة وشركـةٍ وغيرها. فالاستثمار استنماء والاستنماء تحصيل لنماء الشيء وزيادته عبر الطرق والوسائل المشروعة (3).
والاستثمار من المنظور الاقتصادي: جاء في الموسوعة العلمية للبنوك الإسلامية أنه: هو كل إضافة إلى الناتج القومي في إطار أحكام الشريعة مما يؤدي إلى تحقيق وتدعيم أهداف النظام الاقتصادي الإسلامي من خلال الأولويات التي تعكس واقع الأمة الإسلامية (4). وقيل” هو جهد واعي ورشيد يبذل في الموارد المالية والقدرات البشرية بهدف تكثيرها وتنميتها والحصول على منافعها وثمارها” (5). وهذا التعريف يدخل القدرات البشرية في عملية الاستثمار؛ لأنها ركن ركين في كل أشكال الاستثمار.
والاستثمار أخص من الادخار؛ لأن الاستثمار هو أحد أهداف الادخار الذي يمكن أن يكون ادخاراً من أجل الاستهلاك، أو ادخارًا لأجل الادخار، وهو ما يسمى بالكنز من خلال جمع المال وعدم إشراكه في الدورة الاقتصادية لا استثمارًا ولا استهـلاكـًا (6).

وتظهر الملامح الاقتصادية لنظام الإرث في الادخار والاستثمار من خلال: –

أولاً: أثـر نظام الإرث عـلى السلوك الادخــاري:

تظهر ملامح الادخار في نظام الميراث كونه يدفع إلى مزيد من بذل النشاط والجهد، فالإنسان لا يعمل لنفسه فقط، ولكنه يعمل كذلك لمن يهمه أمرهم من أفراد عائلته، فهو يتعب ويكد من أجل أن يوفر لهم حاجتهم، كما يبذل جهدًا من أجل تأمين مستقبلهم قَالَ ﷺ:” إِنَّ الْوَلَدَ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ” (7)، وهذا من أكبر الحوافز التي تحفز الفرد إلى المزيد من الجهد من أجل الكسب والادخار وتكوين الثروة. وإلا فلو علم المورث أن الثروة ستؤول إلى غير أسرته ربما حاول تبديدها في حياته (8).
فالميراث حافز للمورث لبذل الجهد من أجل تأمين الحاجات عمومًا، وهو كذلك حافز للوارث لكي يساعد المورث في النشاط الاقتصادي لأنه يعلم بأن ثمرة جهوده لن تكون لغير الورثة، ولعل هذا الحافز يعد من الحوافز التي لها تأثير مباشر على الادخار فالاستثمار (9).
ولو مُنع التوارث بين الأفراد لضعفت الهمم وقل البذل – أي بذل الجهد للإنتاج- وضعف النشاط الاقتصادي عامة، لأن الإنسان يعلم بأن ثمرة جهده لا ترجع إلى أسرته، ولذلك يعتبر منع التوريث بين الأفراد قتلاً للحافز. قال النبي ﷺ:” … الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَبِيرٌ، أَوْ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ” (10). وإن كان في هذا الحديث تقييد لتصرف المورث بحيث يحفظ للورثة غناهم عن طلب الناس، فإن فيه حافزًا لكي يؤمن مستقبلهم بالجد والعمل والاستثمار فيدخر لهم ولمستقبلهم (11).
وتظهر علاقة الادخار بنظام الميراث من خلال ضبط سلوك المورث بحيث يجعله سلوكًا رشيدًا، لعلمه أن جهده وثمرته سوف تعود لورثته من بعده، فيسلك سلوكًا عقلانيًّا وسطًا بين الإسراف والتقتير ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا ‌كُلَّ ‌الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: 29]، ولا يكون هذا لولا نظام الميراث، فالإنسان مدفوع بهذا للادخار من أجل الورثة، كما أن معظم التركة تصب في زيادة الدخل، وكلما زاد الدخل كلما زاد الميل الحدي للادخار. فإن كان الورثة أغنياء فإن التركة تزيدهم غنى، وهذا يزيد من القدرة على الادخار فالاستثمار (12).
ويظهر الادخار في نصيب الأنثى في الغالب، حيث لا يجب عليها أن تنفق منه شيئًا، فالأنثى وهي بنت: نفقتها على أبيها، وهي أخت: نفقتها على أخيها، وهي زوجة: نفقتها على زوجها، حتى لو كانت غنية. وهي أم: نفقتها على أولادها إن لم يكن لها زوج، فهي غير مطالبة بالإنفاق على أحد، ولا يجوز إجبارها على الإنفاق، فنصيبها من التركة محفوظ ” مدخر” لا نفقة فيه، وبالتالي سيوجه للاستثمار، فعلى هذا يعمل نظام الميراث من خلال نصيب الأنثى، على زيادة التراكم الرأسمالي، مما يوفر المال اللازم للاستثمار والتنمية، وبذلك يكون نظام الميراث أبرز وسائل تكوين المدخرات (13).
وعندما تبلغ الثروة حدًا معينًـا، يتشبع صاحب الثروة من حيث الاستهلاك ويصبح الميل الحدي للاستهلاك لديه قـريبًا من أو يساوي الصفر، كما هو مبين في النظرية الاقتصادية، في هذه الحالة يلجأ المستهلك إلى الادخار (14).

ثانيًا: أثر نظام الإرث على العملية الاستثمارية:

يؤدي نظام الميراث إلى تداول الثروة، وهذا هو الهدف الأسمى للنظام الاقتصادي الإسلامي عامة، حيث تنتقل الثروة من يد إلى يد وهكذا يتم تداولها بين جميع الناس، ومن المعروف أن تداول المال في الميراث يكون من الميت إلى أيدي جديدة ما زالت في إقبال على العمل بجد ونشاط، وهذه الأيدي الجديدة لا بد أن تقوم بواجب الاستثمار في المال الذي وصل إليها، ويترتب على ذلك تحقيق التنمية والاستثمار وتداول المال (15).
كما أن في تقسيم الميراث فرصة لإعادة تشكيل رأس المال في بعض الحالات التي يزيد فيها نصيب الأفراد عن الحاجات الاستهلاكية، وهكذا تخلصنا من انحصار الثروة في صاحب مفترض واحد لرأس المال، ليصبح لدينا عدة أفراد مفترضين، وهذا يخدم فرضية تشكيل القطاع الخاص، وبالتالي ينعكس على الاستثمار.
وفي تقسيم الميراث يحصل الرجل على ضعف نصيب المرأة، وهذه إشارة إلى ضرورة تحويل الثروة إلى أداة للتشغيل سواء عن طريق الاستثمار الفعلي أو التجارة، مما يخدم الطلب الداخلي، والطلب الإضافي، ويدفع بالإنتاج ويخدم أهداف السوق. وهكذا يتيح الميراث لمستحقيه فرصة حيازة أدوات الإنتاج لأنه يوفر لهم السيولة اللازمة للقيام بالعملية الاستثمارية.
وفي حالة كون الورثة من الفقراء والمحتاجين، ففي الغالب سوف يزيد حجم الاستهلاك بسبب زيادة الميل الحدي للاستهلاك عند الفقراء، سواء أكان هذا الاستهلاك سلعي أم خدمي، والزيادة في معدل الاستهلاك سوف تؤدي إلى زيادة الاستثمار من أجل مواجهة الطلب الفعال للاستهلاك الجديد، بسبب انتقال التركة إلى مالكين جدد، فهذا يزيد من الطلب على المواد الأولية ومستلزمات الإنتاج، وهو بدوره يؤدي إلى زيادة الاستثمار والتشغيل وبالتالي يقلل من البطالة والكساد (16).
كما أن نظام الميراث في الإسلام يعمل على حسم النزاعات ويؤدي إلى الاستقرار الاجتماعي، وهو بهذا يوفر المناخ المناسب للاستثمار، لأنه لا يمكن أن يكون هناك استثمار في وضع غير مستقر أو حالة تسودها النزاعات، إذ الاستثمار في هذه الحالة تحيط به المخاطر مما يؤثر على قرار الاستثمار، والدليل على ذلك أن نسبة الاستثمار في المناطق التي تسودها النزاعات، تكون قليلة أو معدومة. فالميراث حافز غير مباشر -في هذه الحالة -للاستثمار بتوفيره المناخ الآمن، الذي يسوده الاستقرار (17).
احترام نظام الميراث لحقوق الارتفاق (18) وتوريثها يزيد من احتمالية الاستثمار في العقارات وغيرها من الاستثمارات، التي يكون لها حقوق ارتفاق؛ ولأن قرار الاستثمار يتأثر باستمرار منافع العقارات المترتبة على حقوق الارتفاق، فلو منع توريث هذه الحقوق، لقل احتمال الاستثمار في هذا الجانب، لأن المنافع فيه لا تنتقل كلها للورثة، وعلى العكس، فإن توريث هذه الحقوق والمنافع يزيد من احتمال الاستثمار في هذا الجانب، فيكون نظام الميراث بهذه الوجهة حافزًا للاستثمار (19).
هذه بعض الوقفات حول أثر الإرث في النظام الاقتصادي الإسلامي على الادخار والاستثمار، على أن نتناول أثره على الاستهلاك في مقال لاحق.

(1) الادخار: مشروعيته وثمراته: لإبراهيم عبد اللطيف العبيدي، ط1 دائرة الشئون الإسلامية والعمل الخيري، دبي 1432هـ/ 2011م: 19
(2)المدخرات أحكامها وطرق تكوينها واستثمارها في الفقه الإسلامي: لقطب مصطفى سانو، ط1 دار النفائس، الأردن 1421هـ/2001م: 24.
(3) الاستثمار أحكامه وضوابطه في الفقه الإسلامي: لقطب مصطفى سانو، ط1 دار النفائس، الأردن 1420هـ/2000م: 19.
(4) انظر: الاستثمار في الاقتصاد الإسلامي دراسة في المفهوم والخصائص والأهداف: لعمر تهتاه، مجلة التراث، ج 1، ع2: 101.
(5) تمويل التنمية في الاقتصاد الإسلامي: لشوقي دنيا، ط1 مؤسسة الرسالة، بيروت 1404هــ/ 1984م:87.
(6) الادخار في الفقه المالي الإسلامي: مفهومه مشروعيته، ضوابطه: لإسماعيل محمد حسن البريشي، المجلة الأردنية في الدراسات الإسلامية، جامعة آل البيت، مج 12، ع3، 1436هـ/2016م: 358.
(7) سنن ابن ماجة: 2/1209 (3666) كتاب الأدب، باب بر الوالد، والإحسان إلى البنات. والحديث رجاله ثقات. انظر: مجمع الزوائد: للهيثمي، 10/54 (16613).
(8) انظر: أصول الاقتصاد الإسلامي: لرفيق يونس المصري، ط1 دار القلم، دمشق 1431هــ/2010م:331، بحوث في المواريث: لرفيق يونس المصري: ط1 دار المكتبي، سوريا 1420هــ/ 1999م:83.
(9) انظر: أصول الاقتصاد الإسلامي: لرفيق يونس المصري: 339،338.
(10) صحيح البخاري: 2/81 (1295) كتاب الجنائز، رثى النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن خولة، صحيح مسلم: 3/1250 (1628) كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث.
(11) انظر: الملكية في الشريعة مع المقارنة بالشرائع الوضعية: لعلي الخفيف، دار الفكر العربي، القاهرة 1416هـ/ 1996م: 328.
(12) نظرة اقتصادية على نظام الميراث في الإسلام: لحسين عبد المطلب الأسرج/ https://cutt.us/8BymI.
(13) انظر: أصول الاقتصاد الإسلامي: لرفيق يونس المصري: 332.
(14) نظرة اقتصادية على نظام الميراث في الإسلام: لحسين عبد المطلب الأسرج/ https://cutt.us/8BymI.
(15) الآثار الاقتصادية لنظام الميراث في الشريعة الإسلامية: لناصر نواصرة، رسالة ماجستير، الجامعة الأردنية، 2003م: 100.
(16) انظر: نظرات اقتصادية في حكمة توزيع الميراث في الإسلام: لكمال حطاب، مجلة جامعة دمشق، م18، ع2، 1423هـ/2002م: 300.
(17) الآثار الاقتصادية لنظام الميراث في الشريعة الإسلامية: لناصر نواصرة: 98،66.
(18) والإرفاق:” هو ما قصد فيه المرفق نفع غيره بمنفعة عين أو حفظها له، أو دفع ضرر عنه ولو بمقابل”، وعقود الإرفاق ستة:” القرض، العارية، الشفعة، الوديعة، الحوالة، الصلح على مال “.
(19) الآثار الاقتصادية لنظام الميراث في الشريعة الإسلامية: لناصر نواصرة: 100.

Comments are disabled.