الحيل الفقهية في المعاملات المالية “الأسباب والضوابط”[3]

إعداد الدكتور: محـــمــد عبد الحليم هـــيكـل
مراجعة الأستاذ الدكتور: فياض عبد المنعم حسانين

أوضحنا فيما سبق تعريف الحيل وأقسامها عند الفقهاء، وتبين لنا أنها تنقسم في العموم إلى حيل مشروعة وغير مشروعة، والحيل المشروعة هي التي تحقق مقصودًا شرعيًا، والحيل المحرمة هي التي تنافي مقصود الشارع.
ولا يمكن إقامة دليل في الشريعة على ‌إبطال ‌كل ‌حيلة، كما أنه لا يقوم دليل على تصحيح كل حيلة؛ فإنما يبطل منها ما كان مضادًا لقصد الشارع خاصة، وهو الذي يتفق عليه جميع أهل الإسلام، ويقع الاختلاف في المسائل التي تتعارض فيها الأدلة (1).
ولا شك أن الحيل الفقهية أو “منهج التحيٌل الفقهي”، كان له أسباب وبواعث ساهمت في وجوده لدى طائفة من الفقهاء على مر القرون، وكلما قويت تلك الأسباب والبواعث كلما زاد ظهور فقه التحيُل في أواسط الفقهاء، وأتناول هنا أهم أسباب ظهور وبروز هذا الفكر أيا كانت مخرجاته، بجميع أنواعها وأقسامها، فأهم الأسباب (2):

  1. تغيير بعض المفاهيم والمصطلحات، حتى صارت تسمى بغير اسمها ومدلولها الشرعي ومن ثم يسهل على النفس ارتكاب المعصية وتجرأ على أوامر الله ونواهيه، كتسمية الربا بالفوائد، والخمر بالمشروبات الروحانية.
  2. غض النظر عن مقاصد المكلف ونواياه، وعدم التفات إلى الأقوال والأفعال، متأولين هذه القاعدة الفقهية والذي دليلها حديث: “إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ(3) فالنيات معتبرة في العقود.
  3. إنزال الحاجة العامة بمنزلة الضرورة والتوسع في تقديرها.
  4. التمويه في تصوير المعاملة بغير حقيقتها بقصد إباحتها.
  5. صياغة الفتوى دون استكمال التصور السليم للمعاملة.
  6. الخلط بين الحيل المباحة والحيل المحرمة، والاستدلال بهذه على هذه، والاستناد إلى الحيل الفقهية في تأسيس المصرفية الإسلامية وكأنها منهج شرعي في الإفتاء والاجتهاد.
  7. رفع الضيق والحرج عن المكلفين، كما في قصة سيدنا أيوب، ويوسف – عليهما السلام.
  8. التخلص من الذنوب التي وقعوا فيها فجوزوا عليها بتضييق أمورهم، فلا يستطيع دفع هذا الضيق إلا بالحيل، كما جرى لأصحاب السبت من اليهود.
  9. مبالغة في التشدد؛ حيث ضيقوا على أنفسهم أموراً وسعها الشرع فاضطرهم هذا إلى الاستحلال بالحيل.
  10. عدم الإيمان بالله، وباليوم الآخر ممن يدين به ويتظاهر به أمام المؤمنين.
  11. اتباع الهوى، والبحث عن المصلحة بأي طريق كان.
  12. الجهل بأحكام الشرع، وعدم السؤال عما يحل ويحرم.
  13. الأخذ بالأقوال الضعيفة والشاذة، والتلفيق وتصيد الرخص.

أما الأسباب التي تدفع إلى استخدام الحيل في الجانب التطبيقي في مؤسسات الاقتصاد الإسلامي وبخاصة المصارف وشركات التأمين الأخرى، فترجع إلى عدة أسباب:

  1. حداثة تجربة المصارف الإسلامية، فهي حتى يومنا تعتبر تجربة حديثة مقارنة بالبنوك الربوية، وبلا شك فإن أي تجربة جديدة تأخذ وقتها في النضج وتدارك الأخطاء.
  2. منافسة المصارف الإسلامية للبنوك الربوية، ومحاولة الوصول بالمصارف الإسلامية إلى نماذج مشابهة للربوية، تنافسها في الخدمات المقدمة.
  3. الرغبة في الاستجابة لضغط الواقع المصرفي من جانب المؤسسين والمتعاملين الذين يرغبون في معدل عائد سريع عن طريق أدوات التمويل قريبة الشبة بالتمويل التقليدي، دون الرغبة في تحمل مخاطر التمويل الإسلامي الحقيقي، فعليه تم اعتماد صيغ في التمويل ظاهرها موافق للشريعة، لكنها كانت في حقيقتها وفي مآلاتها مشابهة الأعمال المصارف الربوية.
  4. ضعف التأهيل في الشريعة الإسلامية وخاصة في المعاملات المالية، وعدم وجود الخلفية الشرعية الكافية في الأحكام الشرعية، والإدراك للمقاصد الشرعية في المال لدى كل من ساهم في التأسيس من المستثمرين المؤسسين والمصرفيين، بل وحتى لدى بعض الهيئات الشرعية التي أسست للمعاملات المصرفية الإسلامية الحديثة، وهذا الأمر من طبيعة التأسيس الذي لا يخلو من أخطاء وملاحظات ويتم تلافيها بالتدريج.
  5. عدم استقلالية هيئة الرقابة الشرعية في المصارف.

ضابط الحيل:

لا ريب أن الضابط العام للحيل هو الذي يميز الحيل الجائزة من غير الجائزة؛ لأن كل طريق مشروع يترتب على سلوكه تحقيق مقاصد الشارع من فعل ما أمر الله به واجتناب ما نهى الله عنه، وإحياء الحقوق ونصر المظلوم فهو حلال، وكل طريق يترتب عليه العبث بمقاصد الشارع من إسقاط الواجبات وتحليل المحرمات، فهو محظور شرعًا ومن الحيل أيضًا ما تتعارض فيه الأدلة ظاهرًا ولا يتضح فيها مقاصد الشارع، ومن ثم يختلف العلماء، فيلحقها بعضهم بالقسم الجائز.
ويلحقها آخرون بالقسم المحظور، كل بحسب ما ظهر له واطمأن إليه، فلا يقال لمن أجازها قد خالفت قصد الشارع؛ لأنه تحرى قصد الشارع ومن ثم ترجحت عنده أدلة الإباحة فألحقها بالقسم الجائز، وأما من منعها فترجحت عنده أدلة الحظر. ومن ثم عدها مخالفة لقصد الشارع فردها إلى القسم المحظور (4). ويمكن ضبط الحيلة الجائزة من المحرمة بضوابط وهي: –

  1. ألا تتعارض مع نصوص الشرع من الكتاب والسنة، وهو أمر لا يختلف فيه أحد، ولا تناقض مصلحة عامة، قال الشاطبي:” فإن فرضنا أن الحيلة لا تهدم أصلاً شرعياً، ولا تناقض مصلحة شهد الشرع باعتبارها فغير داخلة في النهي ولا هي باطلة”(5).
  2. ألا تتضمن إبطال حق أو تعدي على حق الغير، قال ابن القيم:” وهكذا الحيلة في جميع هذا الباب، وهي حيلة جائزة؛ فإنها لم تتضمن إسقاط حق، ولا تحريم حلال، ولا تحليل حرام”(6).
  3. ألا تتعدى المعاملات إلى العبادات، فلم يقل أحد بجواز الحيل في العبادات التي بين العبد والرب.
  4. ألا تكون الوسيلة المستخدمة محرمة كالكذب أو شهادة الزور …إلخ.
  5. ألا تتناقض مع مقاصد الشريعة الإسلامية الكلية والخاصة والجزئية المتعلقة بالأموال وحفظها ورواجها…

فإذا ما تم الوقوف على أحد هذه الضوابط فإن الحيلة محرمة اتفاقاً، ويصدق في هذه الحيل المحرمة أن من أفتى بها فقد قلب الإسلام ظهراً لبطن ونقض عرى الإسلام عروة عروة(7).

(1) الموافقات: للشاطبي: 3/33.
(2) الحيل الفقهية وعلاقتها بأعمال المصرفية الإسلامية: لعيسى بن محمد الخلوفي: 34، 302.
(3) صحيح البخاري: 1/6 (1) كتاب بدء الوحي، باب كيف كان‌‌ بدء الوحي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
(4) الحيل في الشريعة الإسلامية: لصالح سالم النهام: 39.
(5) الموافقات: 3/124.
(6) إعلام الموقعين: 5/419.
(7) إعلام الموقعين: 5/96.

Comments are disabled.