صالح كامل مسؤولية التشغيل والتوظيف

بقلم الدكتور محمد السيد علي

“ما فضلني الله لأنني أحسن من الآخرين بما عندي من مال وثروة، بل فضلني لأستخدم هذه الثروة في إيجاد فرص عمل للآخرين، وفي اللحظة التي أتوقف فيها عن إيجاد عمل للآخرين تذهب صفة التفضيل”
الشيخ صالح كامل

لا مجاملة في القول بأن صالح كامل على رأس من اضطلعوا بالقيام بدورهم في مسؤولية التشغيل، ومؤسساته المختلفة تشهد بهذا الدور الملموس، وأبعاد إدراك هذه المسؤولية، تلك المسؤولية التي لا يعبأ بها كثير من الاقتصاديين إلا بقدر ما تتحقق مآربهم وأولوياتهم الاستثمارية، نعم يقوم كثير من رواد الأعمال بتكوين فريق الأعمال، ثم تتوالى جهودهم في تطوير هذا الفريق وشحنه بالقدرات اللازمة لتطوير الأعمال والأداء الأمثل، لكن هذا مع الأسف لا يخرج في معظم الأحوال عن الدوافع المادية التي تريد خلق بيئة استثمارية ملائمة للأهداف الربحية لتلك المؤسسات.
ويندر الانطلاق من الدوافع الروحية أو الإنسانية التي تهدف فيما تهدف إليه من وراء التأهيل والتطوير إلى كفاية الشخصية الإنسانية وتزوديها بمقومات العيش السديد والسعي الرشيد، وإذا أتيح لهذه الشخصية هذه المقومات فإنها بلاشك ستساهم بشكل كبير في صناعة التنمية وتحقيق الربح، في ضوء منظومة من الأطر الاستثمارية الأخلاقية الاستخلافية وغيرها من الخصائص التي تتميز بها منظومة الاقتصاد الإسلامي.
إن هذه المنطلقات التي ينطلق منها فكر الشيخ هي ما يميزه كرائد من رواد الأعمال عموما، والأعمال وفقا لمنهج الاقتصاد الإسلامي خصوصا، وهذا ما أتاح له تميزا في الحقلين جميعا فهو من الوجهة الأولى من أنجح رواد الأعمال ومن أهم المستثمرين في العالم بأسره، وهو من الوجهة الثانية من أكثر الاقتصاديين الإسلاميين تميُّزا على مستوى الفكر وعلى مستوى العمل.
وفي هذا السياق تأتي نظرته إلى سبب من أسباب التفاوت بين البشر في الغنى والفقر، والثراء والفاقة، إنه ليس مجرد الحاجة والافتقار الذي يضمن استمرار التعاون بين البشر دائما وأبدا، كما جرت تحليلات وتفسيرات كثير من المفسرين سابقين ولا حقين.
لقد انفردت قريحة الشيخ رحمه الله بإدرك أحد أهم المعاني التي يشير إليها قوله تعالى: {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [الزخرف: 32]. فلم يقف عند فلك الحاجة المتبادلة من كل طائفة للأخرى، بل تعداه إلى إدراك مسؤولية كل ذي قدرة على التوظيف عن هذه المهمة.
لقد ظل المفسرون يدورون في فلك هذا المعنى ويطيب لهم تأكيده ببيت الشعر السائر:

“الناس للناس من بدو وحاضرة … بعض لبعض وإن لم يشعروا خدمُ”.

ويذكرون أن الناس طبقات منهم المتقدمون والمتأخرون؛ فالمتقدمون في مصاف الثروة يحتاجون لخدمات الفقراء وأعمالهم وصنائع الصناع والحرفيين، والمتأخرون يحتاجون لثروات الأولين وعطاءاتهم مقابل خدماتهم وأعمالهم، وتجري القاعدة فتقرر أن كل صاحب قدرةٍ ما يحتاجه من يفتقدها، وأن كل عاجزٍ عن مصدر من المصادر يفتقر إلى من يملكه.
حتى هؤلاء الذين غاصوا في عمق النصوص وتفننوا في إدراك المعاني الجامعة لم يصلوا إلى إدراك هذا المعنى وتفهم تلك المسؤولية.
إننا نشكر لمفكري الإسلام تلك التحليلات الرائعة التي أضفوها على معنى النص القرآني وإننا لنجل هذه التفسيرات، التي تدور حول مفهوم الحاجة المتبادلة من مثل قول الراغب: “اعلم أنه لما صعب على كل أحد أن يحصل لنفسه أدنى ما تحتاج إليه إلَّا بمعاونة غيره له – فإن لقمة الطعام لو عددنا تعب تحصيلها من حين الزرع إلى حين الطحن والخبز وصناع آلاتها لصعب حصره – احتاج الناس أن يجتمعوا فرقة فرقة، متظاهرين متعاونين، ولهذا قيل الإنسان مدني بالطبع، أي: أنه لا يمكن التفرد عن الجماعة بعيشه، بل يفتقر بعضهم إلى بعض في مصالح الدين والدنيا”(1).
إن حديث الراغب هو نفس حديث العز ابن عبد السلام عن هذه العلاقة التعاونية الواجبة لاستمرار صلاحية المجتمعات حيث يقول: “فإنه لو لم يبح ذلك لاحتاج كل واحد أن يكون حراثا زراعا ساقيا باذرا حاصدا دائسا منقيا طحانا عجانا خبازا طباخا، ولاحتاج في آلات ذلك إلى أن يكون حدادا لآلاته نجارا لها، وكذلك كل ما يتوقف عليه من جلب الحديد والأخشاب واستصناعها، وكذلك اللباس يفتقر قطنه وكتانه إلى ما يفتقر إليه الزرع، ثم إلى غزله ونسجه أو جزه إن كان من الأصواف والأوبار والأشعار، ثم إلى غزله ونسجه”(2)، إلى غير ذلك مما ذكره وفيما اقتبسته كفاية.
ونفس هذه العلاقة الحتمية يقررها ابن خلدون فيما بعد حيث يقول في نفس المعنى: “أنّه قد عرف وثبت أنّ الواحد من البشر غير مستقلّ بتحصيل حاجاته في معاشه وأنّهم متعاونون جميعا في عمرانهم على ذلك والحاجة الّتي تحصل بتعاون طائفة منهم تشتدّ ضرورة الأكثر من عددهم أضعافا. فالقوت من الحنطة مثلا لا يستقلّ الواحد بتحصيل حصّته منه. وإذا انتدب لتحصيله السّتّة أو العشرة من حدّاد ونجّار للآلات وقائم على البقر وإثارة الأرض وحصاد السّنبل وسائر مؤن الفلح وتوزّعوا على تلك الأعمال أو اجتمعوا وحصل بعملهم ذلك مقدار من القوت فإنّه حينئذ قوت لأضعافهم مرّات. فالأعمال بعد الاجتماع زائدة على حاجات العاملين وضروراتهم. فأهل مدينة أو مصر إذا وزّعت أعمالهم كلّها على مقدار ضروراتهم وحاجاتهم اكتفي فيها بالأقلّ من تلك الأعمال وبقيت الأعمال كلّها زائدة على الضّرورات فتصرف في حالات التّرف وعوائده وما يحتاج إليه غيرهم من أهل الأمصار ويستجلبونه منهم بأعواضه وقيمه فيكون لهم بذلك حظّ من الغنى”(3).
لكن أيا من هذه التحليلات لا ينصرف إلى الواجب الاستخلافي الذي أدركه الشيخ صالح كامل وتحدث عنه بعبارة وجيزة لكنها مشحونة بأفق معرفي يتأسس على منظومة عريضة من التشريعات الكثيرة والمبادئ المتعددة، وهذه سمة من سمات المفكرين الأفذاذ الذين تنصرف أذهانهم إلى جوامع المعانى ومبادئ الإصلاح ويقدمون الرؤية السديدة التي تراعي تحديات العصر وتضوغ الحلول في ضوء المقاصد العامة للشريعة.
إن ما أدركه الشيح هو ما تلح عليه النصوص القرآنية، وهو عين ما تتطلبه المذهبية الإسلامية، وتقضي به الأطر الفلسفية في الاقتصاد الإسلامي، إنه التوظيف والتشغيل وتهيئة الفرص للعمل من كل قادر على ذلك، فالإسلام بكل أوامره وفروضه يدور حول التعمير والتنمية ودوران المال، سعيا إلى توفير الكفاية وتحقيق الحياة الطيبة، ولهذا اعتُبِر العمل أهم السبل ورأسها في بناء الثروات وتحقيق الأرباح، ومن متطلبات ذلك ومقدماته توفير الأعمال وتهيئة السبل إليها، ومن ثم يصبح على كل صاحب مال أن يجد ويجتهد في توفير الفرص وتحقيق التشغيل الكامل، عملا بمقتضيات الخلافة على الأموال التي هي أساس العلاقة بين المال والقائم عليه:

  1. فالمال مال الله تعالى {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: 33].
  2. والقائم عليه مستخلف فيه {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد: 7].
  3. والتصرف فيه منوط بالمصلحة التي تحقق للمجتمع قيامه وتنشيء للمجتمعات مقومات الحياة الرشيدة؛ ولهذا ينسب إلى المجموع ليكون لهم حق مساءلة القائم عليه إن حاد عن سبل الصلاحية {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [النساء: 5].

لقد شهدت هذه اللمحة الخاطفة من كلمات المؤسس بعمق النظرة وبعد الغور في النظر إلى العمل والاقتصاد، وأن الاستثتمار ليس مجرد تدوير الأموال لتحمل، ثم تلد، ثم يتوالى النتاج إلى أبعد مدى، بل الاستثمار عمل واعٍ، دائر وسائر في طريق التنمية الرشيدة (الإعمار)، الذي يحقق الخلافة الكاملة التي تشرَّف بها جنس الإنسان دون غيره من المخلوقات، وإن التفضيل -بهذا الوصف- منوط بهذه النزعة الإنسانية التي تستغل نعم الله في الإحسان إلى عباده، فإذا لم يوجد الإحسان إلى عباد الله فإن نعمة الله لم توجه إلى شكره والحساب عليها وشيك؛ إن في الدنيا بالبوار والكساد، أو في الآخرة بسوء المنقلب.
المقطع المشار إليه متاح في مقابلة الشيخ المؤسس في برنامج صناع النجاح مع الأستاذ الإعلامي صالح الثبيتي على الرابط.

(1) الذريعة الى مكارم الشريعة (ص: 265).
(2) قواعد الأحكام في مصالح الأنام (2/ 69).
(3) تاريخ ابن خلدون (المقدمة ص: 450).

Comments are disabled.