انهيار بنك كريدي سويس بسويسرا (CREDIT SUISSE)

الدكتور/ عبد الناصر حمدان بيومي

نتناول هذا الموضوع لأهميته الشديدة، فقد أثير في جل وسائل الإعلام العالمية مؤخرًا.

بداية الأزمة وتطورها: فقد انهارت ثلاثة بنوك أمريكية في أقل من أسبوع، ففي يوم 8 مارس عام 2023م انهار بنك سيلفر جيت كابيتال الأمريكي، وبعده بيومين 10 مارس انهار بنك سيليكون فالي (SVB) الأمريكي، وبعده بيومين 12 مارس انهار بنك سيجنتشر الأمريكي، ثم توالت الانهيارات، وظهر شبح الأزمة المالية العالمية التي وقعت في عام 2008م. وفي نفس الشهر وتحديدًا 19 مارس انهار بنك كريدي سويس السويسري، الذي هو موضوع حديثنا، ونتناوله من عدة جوانب:
أولاً: حجم الأزمة: عندما نتحدث عن بنك كريدي سويس، فقد كان ثاني أكبر بنوك سويسرا، وكان أحد أضخم المراكز المالية في العالم، وأحد أهم (30) بنكًا في العالم من الناحية التنظيمية. كما أننا أمام تاريخ طويل غامض يزيد على قرن ونصف من الزمان، فقد أُسس في عام 1856م، ويقع مقر الشركة في زيورخ أحد أهم مدن سويسرا، وأكبرها على الإطلاق.
وتشتهر مدينة زيورخ بشركات الخدمات المصرفية، التي تصنف الأفضل في العالم. ويوجد فيها أكبر سوق للذهب، وترتيب بورصتها الرابعة على العالم بعد نيويورك ولندن وطوكيو.
ويمتلك البنك مكاتب تجارية مهمة في جميع أنحاء العالم، ويقدم خدماته للأثرياء والأغنياء من خلال عمله في إدارة الثروات، وهو مستشار رئيسي للشركات العالمية في عمليات الدمج والاستحواذ.
وبعيدًا عن الشبهات وأصابع الاتهام الموجهة للبنك، والزعم بأن القوانين السرية السويسرية ربما سهلت عمليات نهب ثروات بعض بلدان العالم النامي. فإنه يجب علينا الالتفات إلى هذا الوضع المصرفي المأزوم في أمريكا وأوربا، وخصوصًا أن الأمر لم يقف عند كريدي سويس بل امتد في 24 من مارس 2023م إلى انهيار وهبوط أسهم بنك دويتشه وهو أكبر بنك ألماني بنسبة 14%. فضلاً عن هبوط مؤشر البنوك الأوروبية 3.8%…
إننا أمام أكبر فشل مصرفي وقع في العالم منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008م؛ حتى أصبح القلق هو سيد الموقف في أغلب دول العالم؛ مما أوقع مزيدًا من الانهيارات والإفلاسات في النظام البنكي الربوي المتهاوي.
ثانيًا: سبب الأزمة: وإذا أردنا أن نضع أيدينا على موضع الداء، فإننا نتساءل هل السبب هو الفساد والانحرافات المالية؟ أم الخسائر الفادحة بسبب ارتفاع نسبة الفائدة الربوية؟ أم الخلل في قواعد النظام الاقتصادي الربوي؟ أم أنها النتيجة المترتبة على كل ذلك؟
والإجابة عن هذه التساؤلات ليست بالأمر الصعب؛ فإنه المحق والخسران والهلاك يا صديقي؛ كما قال الله تعالى: ﴿‌يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: 276]… إنها النتيجة الحتمية للغطرسة البشرية ومخالفة أحكام القرآن الكريم والإنجيل والتوراة التي تحرم الربا، وتحذر من المآلات المترتبة على فشوه وانتشاره، بل إن شئت فقل إنها الحرب يا صديقي… نعم إنها الحرب؛ كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: 278-279].
كما أن من أسباب الأزمة أن أصول البنك التقليدي بتكويناته وخصومه متعرضة دائمًا للمخاطر؛ نتيجة لاختلاف القيم الزمنية المالية للأصول عن الخصوم الملزم بردها…
ولا أظن أن الأمر سيتوقف عند هذا الحد من الإفلاسات والانهيارات، بل ستستمر خسائر أسهم البنوك الربوية العالمية، كما أن الواقع ينذر بمزيد من الإخفاقات والانهيارات، فهل نحن على أبواب أزمة مالية عالمية قادمة لا محالة، أم أننا بالفعل نعيش في عالم الأزمات التي صنعها وأفرزها النظام الاقتصادي الربوي الغربي، وإنك إذا فتشت في كل دول العالم عن الفقر والمرض والجوع والجهل والتخلف والبطالة، فلن تجد دولة واحدة لا تعاني من ذلك في قليل أو كثير من أجزائها.
هذه هي النتيجة الحتمية لسيادة النظام الربوي في العالم، والعجيب أنهم في كل أزمة يتذكرون أن الحل لهذه الكوارث هو في النظام الاقتصادي الإسلامي، غير أنه ما تلبث أن تأخذهم العزة بالإثم، ويرتدون على أعقابهم من أجل مصالحهم الربوية الضيقة، فيغرقون العالم في مزيد من الديون والقروض والدمار والخسران…
ثالثًا: حلول الأزمة: إن الحل للأزمات المالية السابقة واللاحقة معلوم وواضح ولا يخفى على أحد، ويتمثل في مجموعة من الإجراءات الضرورية؛ أهمها تعديل قواعد هذا النظام الربوي؛ لأن آثاره مدمرة ومتغلغلة في كل القطاعات. وعدم التوسع في إصدار النقود، وفي خلق النقود المصرفية، وفي القروض والديون وبطاقات الائتمان. وعدم استعمال الودائع قصيرة الأجل في تمويلات طويلة الأجل…
الحل يكمن في التخلص من النظام الاقتصادي الربوي، وإلغاء الفائدة الربوية؛ لأنه نظام كارثي لا خير فيه. والعودة إلى ما جاء في الشرائع السماوية من حرمة الربا، والعمل بقواعد وآليات الاقتصاد الإسلامي في مجال العمل المصرفي، وما يتفرع عنه من صيغ وعقود لاستثمار وتنمية المال؛ كالبيوع والمشاركة والمضاربة والسلم والقرض الحسن والاستصناع ونحوها…
الحل في نظام اقتصادي يوازن بين المادية والروحانية، يبني ولا يهدم، يتعاون ولا يستغل حاجة المحتاج، ويقوم على استثمار حقيقي للمال في شتى مجالات الحياة بحسب سلم المقاصد الشرعية: الضروريات فالحاجيات ثم التحسينيات.
الحل في تغيير السياسات والقواعد الحاكمة لكل المؤسسات المالية الربوية؛ بالتخلي عن التمركز حول فكرة الإقراض والاقتراض بالربا، إلى الإيغال والاستثمار في مشاريع زراعية وصناعية وتجارية؛ تسهم في تنمية المجتمع، والحد من البطالة، وتحقيق الرواج الاقتصادي، وتدعم الدولة في الحد من الفقر والمرض والجهل…
وفي النهاية: فإن الحل في النظام الاقتصاد الإسلامي؛ لأنه اقتصاد أخلاقي، فلا يسمح للمصارف بالاتجار في المخدرات أو الخمور وسائر المحرمات، ويأمر بالإنظار والتيسير على المعسر، وينهى عن المعاملات المبنية على القمار والميسر، كما لا يسمح للمصارف بغسيل الأموال القذرة السائدة في أسواق النقد والمال، ونحوها من سبل الإفساد والانحراف. ولهذا حرم الإسلام الربا والاحتكار والرشوة وأكل أموال الناس بالباطل، كما حرم الغش والغرر والغبن والتدليس والتبذير والإسراف
وختامًا: فإن النظام الاقتصادي الربوي آيل للسقوط، غير أنه إذا سقط سيسقط معه الأتباع الذين انحرفوا عن الوضوح والصواب والاستقامة إلى الحيل والذرائع ولي أعناق النصوص، والتلاعب بالقواعد والأصول والمقاصد؛ لشرعنة الربا وتبريره للناس؛ رعاية لمصالحهم الشخصية الضيقة، واتباعًا للهوى أو المصالح الموهومة الملغاة… وقد عاينوا وعايشوا بأنفسهم نتائج هذا الانحراف، فهل من عودة إلى الاستقامة والسداد؟؟؟

No comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *