حكم وضوابط وشروط إنشاء النوافذ والفروع الإسلاميّة في شركات التمويل التقليدية

بقلم الدكتورة/ غدير أحمد “الشيخ خليل”
عميد كلية المجتمع الإسلامي السابق بالأردن. ومستشارة الاقتصاد والتمويل الإسلامي.

انتشرت النوافذ والفروع الإسلاميّة في مؤسسات التمويل الربويّة بشكل واضح، وتختلف أسباب إنشاء تلك الفروع والنوافذ باختلاف مؤسسات التمويل، وأنظمتها الداخليّة، والدولة التي يتم إنشاء الفرع أو النافذة الإسلاميّة فيها، ذلك أن بعض تلك الدول هي دول غير إسلاميّة، ويقيم بها عدد مُعتبر من المسلمين، مما حدا بتلك المؤسسات إلى محاولة جَذْب شريحة جديدة من المتعاملين الذين يرغبون بالتعامل الماليّ والمصرفيّ بما يناسب قِيَمهم ومعتقداتهم الدينيّة.
ومن العجب أنّ أعداد المؤسسات الماليّة الربويّة في الدول المسلمة تفوق أعداد المؤسسات الماليّة الإسلاميّة، وقد عملت على إنشاء فروع أو نوافذ إسلاميّة لديها لذات السبب!

أولاً: أقوال العلماء المعاصرين في المسألة

وفي هذا الصدد تعدّدت آراء العلماء حول مشروعية أو عدم مشروعية التعامل مع النوافذ والفروع والمنتجات الماليّة الإسلاميّة، من خلال النوافذ المنشأة في المؤسسات الماليّة الربويّة: (1)
الرأي الأول، وهم المؤيّدون (2): إذ يذهب أصحاب هذا الرأي إلى جواز التعامل مع الفروع والنوافذ الإسلاميّة بشرط ألا يشوب معاملات الفروع أو النوافذ أي مخالفات شرعية، ورأوْا بأنّ إنشاء الفروع أو النوافذ الإسلاميّة هو بمثابة اعتراف بأهمية التمويل الإسلاميّ ودوره الحيوي في الاقتصاد، ودوره الهام على مستوى المجتمع والاقتصاد، بالإضافة إلى كوْن الفروع والنوافذ الإسلاميّة تعمل على محاربة الربا، وبالتالي لا بد من تشجيع هذه الفروع والنوافذ على تحقيق هذا الهدف، ومحاولة الاستفادة من الخبرات والتجارب المتراكمة للتمويل الربويّ، مما يعزّز ويدعم التمويل الإسلاميّ، بالاستفادة من هذه التجارب والخبرات.
وقد تكون النوافذ والفروع الإسلاميّة بمثابة المحّفز لأصحاب القرار للتحوّل الكامل للتمويل الإسلاميّ إذا ما تمّ إثبات نجاح هذه التجربة.
وأمّا الرأي الثاني: فهو رأي المعارضين(3): والذين يروْن بأن هذه الفروع والنوافذ الإسلاميّة مخالفة لأحد المقاصد الشرعية المهمة، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن أكبر أنواع المنكر المنتشر في هذا الزمن هو الربا، ولا بُد من مقاطعة المرابين، وعدم التعامل معهم، حتى يعودوا عن الربا، ويجب أمرهم بالمعروف ونهيهم عن منكر الربا، والتضييق عليهم حتى لا نعينهم على الربا والتعامل المالي المحرّم، وفي إجازة النوافذ والفروع الإسلامية في البنوك الربويّة إقرار لهم وإعانة لهم على تثمير وتنمية أموالهم؛ لأنهم ما أقدموا على إنشاء فروع أو نوافذ إسلامية إلا لجذب شريحة من المتعاملين ترفض التعامل بالتمويل الربوي، وليست خطوة أولى في سبيل التحوّل الكامل للتمويل الإسلاميّ، والدليل على ذلك هو استمرار عمل هذه الفروع والنوافذ جنبًا إلى جنب مع الفروع الربويّة.
بالإضافة إلى مخالفة الفروع والنوافذ الإسلامية للمقاصد التي شرع الله تعالى الشرائع لأجلها، ومنها تحكيم شرع الله تعالى في كافة جوانب الاقتصاد، ومنها البنوك الربوية، فلو تمّ تحكيم شرع الله حقًّا لما تمّ الاكتفاء بإنشاء فروع أو نوافذ إسلاميّة بل لتمّ التحوّل بالكامل إلى العمل وفق أحكام الشريعة الإسلامية، مع أهميّة الإشارة إلى احتماليّة أن تكون تلك النوافذ والفروع وسيلة لإضعاف البنوك الإسلامية، ومنافسة لها، لا سيما وأن المراكز المالية للبنوك الربوية قد تفوق المراكز المالية للبنوك الاسلامية، الأمر الذي قد يضرّ بمصلحة البنوك الاسلامية.
وتحفّظ أصحاب هذا الرأي على إحكام ضبط عملية فصْل الأموال بين الفروع الإسلاميّة والفروع الربويّة، الأمر الذي قد يُدخل هذه الفروع في حرج شرعي نتيجة خلْط أموال الفروع، ومن ناحية أخرى فإنّ انتشار هذه الفروع والنوافذ سيؤدي إلى إحداث منافسة غير عادلة بين المؤسسات الربويّة التي تمتلك فروع ونوافذ إسلاميّة (4)، وبين مؤسسات التمويل الإسلاميّ الخالصة. وخَشِيَ أصحاب هذا الرأي من أن التوسع والانتشار في فكرة الفروع والنوافذ التقليدية قد يؤدي إلى تأخر إنشاء مؤسسات تمويل إسلاميّة، بدعوى سدّ حاجة السوق من هذه الفروع والنوافذ.

ثانيًا: ضوابط إنشاء نوافذ إسلامية في المؤسسات المالية الربوية

وترى الباحثة: أن إنشاء فروع أو نوافذ أو منتجات ماليّة إسلاميّة في المؤسسات الماليّة الربويّة، جائز بشروطه وضوابطه الشرعية، ومنها: أن تكون منضبطة بالضوابط الشرعية والإدارية والماليّة والقانونية اللازمة، والفصْل التام بين رأس مال الفرع أو النافذة الإسلاميّة، وباقي الفروع، والفصْل التام في محافظ التمويل، والاستثمارات، وعدم خلطها نهائيًّا، ولا مبرر للتخوّف من عدم الفصْل وبالذات مع التقدّم التكنولوجي التقني، والذي سهّل عمليّة التوثيق، والتسجيل، والاحتساب، وترحيل الحسابات، وأن يخضع هذا الفرع أو النافذة إلى إشراف هيئة رقابة شرعية متخصّصة دائمة، تشرف على جميع العمليات والإجراءات والتفاصيل المتعلقة بالتمويل الموافق لأحكام الشريعة الإسلامية، بالإضافة إلى أهمية التدقيق الشرعي الدائم في قسم مختصّ في ذلك، ومستقلّ عن إدارة مؤسسة التمويل.
وقد بُنيَ هذا الرأي سعيًا لتوفير التمويل “الحلال” لشريحة واسعة من المتعاملين، والذين يرفضون التعامل وفق التمويل الربويّ، بالإضافة إلى جذب شريحة من عملاء التمويل الربويّ للتعامل وفق أحكام الشريعة الإسلاميّة، هذا إلى جانب نشر وتطوير العمل الماليّ الإسلاميّ، ونشر الوعي الماليّ والمصرفي الإسلاميّ، وإثبات هذا العلم وتطبيقه على أرض الواقع بأشكال متعددة، للوصول إلى انتشاره وعموم تطبيقه في الأمد البعيد إن شاء الله تعالى.
كما أن المنفعة ستعود على التمويل الإسلامي من خلال الإعلان والتسويق لهذا الفرع أو النافذة، وترك انطباع ورسالة ضمنيّة بأن أنواع التمويل الأخرى هي تمويلات غير موافقة لأحكام الشريعة الإسلامية، وهو من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإثارة حافز لدى العملاء للبحث عن التمويل الإسلامي وأدواته واجراءاته.
وقد رأينا آلاف المتعاملين والذين لا يعلمون بوجود تمويل موافق لأحكام الشريعة الإسلاميّة بالأصل، وبأن التمويل الربويّ هو الحالة الطبيعيّة والتي لا يوجد لها بدائل، لأنهم يفصلون بين العبادات والمعاملات في التطبيق، وفي ذلك مسؤوليّة على جميع الباحثين والعلماء والفقهاء والمصرفيين والماليّين، لنشر الوعي المالي الإسلامي.
إلى جانب توفير فرص عمل “حلال” بانتقال العاملين في القطاع المالي والمصرفي من العمل بالتمويل الربويّ إلى العمل بالتمويل الإسلاميّ، وهذا بدوره سيزيد الطلب على التخصصات الماليّة الإسلاميّة في الجامعات والكليات والمعاهد المهنية، الأمر الذي من شأنه الارتقاء بعلم التمويل والاقتصاد الإسلاميّ، وتخريج كفاءات وخبرات تعمل على تطوير العلم ونشره وتطبيقه، إن شاء الله تعالى.

ثالثًا: شروط جواز إنشاء فروع ونوافذ إسلاميّة في المؤسسات الماليّة الربوية

وعند القائلين بجواز إنشاء فروع ونوافذ إسلاميّة في المؤسسات المالية الربويّة يشترط عدة شروط، ومنها (5):

  1. الفصل التام بين رأس مال الفرع الإسلامي، ورأس مال مؤسسة التمويل، بالإضافة إلى الفصل التام بين محفظة التمويل وأنشطة الاستثمار للفرع الإسلامي وللمؤسسة الماليّة. (6)
  2. جدّية الإدارة العليا، ومدى دعمها للفروع ومدى تحقيق الاستقلاليّة للفروع الإسلاميّة عن الفروع الربويّة، وهذه الاستقلاليّة تشمل: صلاحيّات إدارة الفروع الإسلامية باتخاذ القرارات الماليّة بما يتناسب مع خصوصيّة العمل وفق أحكام الشريعة الإسلامية، كما تشمل أيضًا إجراءات الرقابة والتفتيش على الفروع الإسلامية بما يراعي العمل وفق أحكام الشريعة الإسلاميّة، بالإضافة إلى الاستقلاليّة الماليّة والمحاسبيّة من حيث النظام المحاسبي، وأدوات القياس، وتعديل النظام المحاسبي ليتواءم مع عقود التمويل الإسلامي، وآليّة الاحتساب، وبناء ميزانيّة خاصة بالفرع الإسلامي تُظهر عمليّات الفرع ونشاطاته الاستثماريّة.(7)
  3. إنشاء نظام رقابة شرعيّة متكامل، يشمل هيئة الرقابة الشرعيّة، وقسم التدقيق الشرعي المراقب على جميع العمليات الماليّة التي تتم داخل أو لصالح الفرع الإسلامي. (8)
  4. تناسب العقود المستخدمة في الفرع الإسلامي مع أحكام وضوابط الشريعة الإسلامية، وتحت إشراف هيئة رقابة شرعية.

وفي الختام، فإن هذه الضوابط والشروط تضمن العمل في الفرع الإسلامي أو النافذة الإسلامية وفق أحكام الشريعة الإسلاميّة، دون تدخّل أو تأثير من قبل إدارات المؤسسات المالية، ووفق المنهج الذي تسير عليه مؤسسات التمويل الإسلاميّة، والتي من المؤمّل أن تصل إلى جميع شرائح المتعاملين، وبالذات في الدول التي تخلو من مؤسسات مالية إسلاميّة، أو التي تكون عدد المؤسسات المالية الربويّة أكبر من نظيرتها الإسلاميّة، في خطوات لنشر العمل المالي والمصرفي الإسلامي بإذن الله تعالى.

(1) الشريف، فهد، (2005م). الفروع الإسلاميّة التابعة للمصارف الربوية، المؤتمر العالمي الثالث للاقتصاد الإسلاميّ، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، السعودية.
(2) فتاوى وتوصيات ندوة البركة العشرين للاقتصاد الاسلامي، حولية البركة، مجموعة دلة البركة، الأمانة العامة للهيئة الشرعية، العدد الثالث، 2001م، ص377. وهيئة الفتوى والرقابة الشرعية في البنك الاهلي التجاري السعودي، “حكم التعامل مع ادارة وفروع الخدمات المصرفية الاسلامية في البنك الاهلي التجاري، وتضم الهيئة: الشيخ عبد الله بن سليمان المنيع، والدكتور عبد الله بن عبد العزيز المصلح، والدكتور محمد القري. وهو رأي فضيلة الدكتور علي محي الدين القرة داغي، الوطن الاقتصادية القطرية، عبر الانترنت. وفضيلة الدكتور حسين حامد حسان، (2005م). رئيس الهيئة الشرعية لبنك دبي الاسلامي، مقابلة على هامش مؤتمر ترشيد مسيرة البنوك الاسلامية في دبي.
(3) فضيلة الشيخ الدكتور سعيد بن بن مسفر القحطاني، مقابلة أجريت مع فضيلته يوم 28/11/1423 هجري. وفضيلة الدكتور أحمد الكبيسي، مقابلة أجريت مع فضيلته يوم الجمعة 13/12/1423 هجري.
(4) شحادة، موسى عبد العزيز، (1998م). مدير عام البنك الإسلامي الأردني، النوافذ الإسلاميّة في البنوك التقليدية، مجلة الأموال، جدة، العدد السادس، 1998م، ص 41-43.
(5) فتاوى وتوصيات ندوة البركة العشرين للاقتصاد الاسلامي، حوليّة البركة، العدد الثالث، ص 377-378.
(6) حسان، حسين حامد، (2005م). رئيس هيئة الرقابة الشرعية لبنك دبي الإسلامي، مقابلة على هامش مؤتمر ترشيد مسيرة البنوك الإسلامية في دبي.
(7) ناصر، الغريب، (2001م). أصول المصرفية الإسلامية وقضايا التشغيل، ط2، اتحاد المصارف العربية، ص 343-344.
(8) السرحي، لطف محمد، (2010م). الفروع الإسلامية في البنوك التقليدية، ضوابط التأسيس وعوامل النجاح، مؤتمر المصارف الإسلامية اليمنية الواقع وآفاق المستقبل، ص 5-6.

No comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *