العقود الشرعية: عقد القرض

الأستاذ الدكتور/فياض عبد المنعم

لفظة (القرض) في اللغة تعني: القطع، وأقرضته؛ أي: أقطعت له من مالي قطعة، ويسمى (القرض) كذلك: السلف.
و(القرض) في الشرع: دفع أو تقديم مبلغ من المال من المقرض إلى المقترض ليردَّ مثله قدرًا وصفة.
والقرض عقد تمليك وقُربَة؛ فالمال المقترَض يخرج من مِلْك المقرِض إلى مِلْك المقترض، ويتبرع به للمقترض تقرُّبًا لربه سبحانه وتعالى. وقد حث الشرع الحنيف أصحاب الأموال على إقراض المحتاجين؛ فقال تعالى: {إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ …} الآية [سورة التغابن: 17]، وقال تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ…} الآية [سورة البقرة: 245].
كما أن السُّنَّة النبوية المشرَّفة قد رغَّبت المسلم في إقراض أخيه المحتاج؛ بما يحقق التكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع؛ فقد أخرج ابن ماجة وغيره: أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: «ما من مسلم يقرض مسلمًا قرضًا مرتين إلا كان كصدقتها مرة». كما أخرج ابن ماجة أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: «رأيت ليلة أُسري بي على باب الجنة مكتوبًا: الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر. فقلت: يا جبريل، ما بال القرض أفضل من الصدقة؟ قال: لأن السائل يسأل وعنده، والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة».
والقرض خلق ومبدأ عظيم من مبادئ الإسلام؛ فهو يحقق التوادَّ بين أبناء المجتمع الواحد، وينزع فتيل الحقد والحسد بينهم؛ إذ إن الذي معه مال يتعاون مع صاحب الحاجة في شكل القرض؛ فينتفي التباغض والحقد بينهما.
وقد يصبح القرض واجبًا إذا كان المقترض مضطرًّا للقرض لسد ضرورة من ضرورات الحياة، وكان المقرِض غنيًّا قادرًا على إقراضه. كما قد يكون القرض حرامًا إذا كان سيُنفَق على المعاصي.
وإذا كان الشرع الإسلامي قد حثَّ صاحب المال على إقراض المحتاج؛ فقد أوجب أيضًا على المقترض حسن أداء القرض؛ فقال صلى الله عليه وسلم: «إن خياركم أحسنكم قضاء». رواه الإمام مسلم وغيره.
وليس معنى حسن أداء القرض أن يردَّ المقترضُ القرضَ زائدًا عما أخذه ويكون ذلك مشروطًا عند الاقتراض؛ إذ إن ذلك مُحرَّم في الشرع؛ لأن القرض بهذه الصورة قد خرج عن باب المعروف إلى أن يكون بابًا من أبواب الربح بالاتجار في المداينات واستغلال حاجات الناس، والشريعة الغرَّاء تبين أن الربح مصدره التجارة في السلع والخِدْمات وتنمية الأصول، وليس استغلال حاجات الناس. أما إن ردَّ القرض وزاد من عنده شيئًا من باب الإحسان والمعروف للمقرِض دون اشتراط ذلك عليه؛ فلا بأس في ذلك وهو من حسن القضاء.
فالقرض إذن؛ عقد إرفاق وتبرع وإحسان، وهو من باب التراحم؛ فينبغي أن تظل صورته على هذا النحو في جميع الأحوال؛ وبذلك نفهم أن عقود الشريعة الإسلامية المالية قد جاءت محققة لمصالح الناس بوسيلة صحيحة.

Comments are disabled.