الأبعاد الاقتصادية لصيام رمضان المقاصد وترشيد الاستهلاك (1)

بقلم الدكتور/ عبد الناصر حمدان بيومي

تعاني بيوت المسلمين في شهر رمضان من الضغوط المادية، بل والاقتراض والاستدانة لتغطية الاستهلاك الكبير من الطعام والشراب ونحوهما؛ مما استدعانا لكتابة هذا المقال.
فالفهم الحقيقي للصيام يضع أيدينا على العديد من الأبعاد الاقتصادية للصيام؛ كترشيد الاستهلاك، وعدم الإسراف في الطعام والشراب والرفاهيات، وتخلية النفس من رذيلة البخل والكنز، وتحليتها بفضيلة القناعة والجود والإنفاق، فضلاً عن استثمار الوقت في العبادة والعمل.
قال الغزالي: ولا تظن أن الصوم هو ترك المفطرات، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «‌كَمْ مِنْ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ، وَكَمْ مِنْ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ»(1)، بل تمام الصوم أن يكف الجوارح كلها عما كره الله من الغيبة والنميمة، والنظر بالريبة، والنطق بما لا يُغني، ونحوها من المحرمات. ثم يفطر على حلال محض، ولا يكثر منه بل يأكل أكلته التي كان يأكلها كل ليلة لو لم يصم، فإن جمع ما كان يأكل ضحوة إلى ما يأكل ليلاً لم ينتفع بصومه؛ لأنه قد جمع في أكلة بين أكلتين، فتبطل بذلك فائدة الصوم، ويستدعي به كثرة النوم، وكثرته دليل الشقاوة والضعف.(2)
ويمكن تناول الأبعاد الاقتصادية لصيام رمضان على النحو التالي:

أولاً: مقاصد الأبعاد الاقتصادية للصيام:

  1. تنمية الشعور بمعاناة أصحاب الحاجات، وتلبية احتياجاتهم، وتحقيق التكافل الاجتماعي.
  2. حفظ المال، والتقليل من نفقات الطعام والشراب.
  3. رفع مستوى وكمية الإنتاج من خلال العمل المتقن.
  4. ضبط وترشيد الاستهلاك، والتخفف من السلع الكمالية.
  5. ضبط ميزانية الأسرة في رمضان؛ والبعد عن الاقتراض؛ لتلبية الاستهلاك الترفيهي.
  6. حفظ الصحة البدنية، وتوفير نفقات التداوي؛ فالصيام يقي من الأمراض.
  7. تنظيم واستثمار الوقت في رمضان؛ للجمع بين العبادة والعمل.
  8. تحقيق توازن السلوك الاقتصادي، وتخفيض الضغوط التضخمية.

ومن أهم المقاصد السابقة ترشيد الاستهلاك، ونتناوله بمزيد من التفصيل في الفقرة التالية:

ثانيًا: ضبط وترشيد الاستهلاك:

وهو من أهم الأبعاد الاقتصادية للصيام: فالأصل في الإنسان الرشد الاستهلاكي، والابتعاد عن كل سبل التبذير والإسراف؛ كما أمر الله تعالى: ﴿‌وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]، فهذه القاعدة القرآنية تُعدُّ ميدان الترشيد على المستوى الفردي والجماعي. فشهر رمضان محاولة جادة لصياغة نمط استهلاكي رشيد، وتدريب مكثف يدوم شهرًا كاملاً؛ يغرس في الإنسان فكرة العيش بعيدًا عن الاستهلاك غير الرشيد والتبذير المقيت.
فمن الرشد أن يتوسط المسلم في الإنفاق الاستهلاكي، فلا تقتير ولا إمساك كما أنه لا تبذير ولا إسراف. وقد أثنى الله تعالى على أهل التوسط في الإنفاق: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67]. هذا المسلك الوسط المعتدل يسلكه المسلم في كل الأحوال، لكن الحاجة تشتد إليه في شهر رمضان؛ لأنه شهر عبادة وتقرب إلى الله تعالى، لا شهر تفنن في إعداد موائد الطعام والشراب.
ومن الأبعاد الاقتصادية للصيام: تحفيز الإنسان على التخلص من أسر رغباته وميوله الجانحة للاستهلاك، والتصرف بصورة فطرية طبيعية، فلا يقتني ما لا تتسع له إمكاناته المادية، ولا يقتني من أجل الاقتناء، أو يقترض بالربا لينفق على الكماليات التي لا يقع في حرج إذا استغنى عنها. فيعيش أسير الربا وآثاره المدمرة، أو ذليل الدَّيْن وهمومه: قال سفيان الثوري: “‌الدّين همّ بالليل وذلّ بالنهار، فإذا أراد الله أن يذل عبدًا جعله قلادة في عنقه”.(3)
وعن أَنَس قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ»(4)، وضلع الدين: هو الذي لا يجد دائنه من حيث يؤديه. فالدين شينٌ و‌همٌّ بالليل ومذلةٌ بالنهار؛ لما فيه من شغل القلب والهم اللازم في قضائه، والتذلل للغريم عند لقائه… ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يتعوذ من المأثم والمغرم، وهو الدين. فعَنْ عُرْوَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ يَا رَسُولَ اللهِ، مِنَ الْمَغْرَمِ؟ قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ»(5)، وأيضًا قد يموت ولم يقض الدين فيرتهن به، كما قال صلى الله عليه وسلم: «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ».(6)
كما أن الإنسان منحه الله القدرة إذا كانت عنده إرادة وعزيمة حقيقية على تغيير عاداته وسلوكياته الاستهلاكية، والاستغناء عن كثير مما يراه مُهِمًّا في حياته، وقديمًا قيل: “كم من حاجة لنا قضيناها بتركها”.
وفريضة الصيام فرصة مهمة لاكتساب عادات جديدة في مجال ترشيد وضبط الاستهلاك، وترويض النفس على الاستغناء عن المفقود، الذي لا يستطيع الإنسان الحصول عليه، فإن النفس إذا يئست من الشيء استغنت عنه، فاليأس إحدى الراحتين كما قيل. وهكذا حال النفس مع كل رغباتها، فالصوم مدرسة لتدريب النفس وكبح جماحها، وتعويدها على الاستهلاك الرشيد.
وإن أول معركة فاصلة في تاريخ أمتنا، هي غزوة بدر الكبرى كانت في 17من شهر رمضان في العام الثاني الهجري، ومن أهم أسباب انتصار المسلمين في هذه الغزوة وفي كل الغزوات والمعارك: هو القدرة على التحكم في النفس وضبطها، وانحسار أثر الشهوات في النفوس، وضعف أثر العادات التي قد تُعِجز عن العمل والسعي، ولهذا كان أحدهم يضع تمرات في جيبه يتقوى بها على الحرب، وينطلق إلى الميدان، فلم يكن لمثل هذه الشهوات أثر عليهم.
وقد اعتمد مهاتما غاندي، ت: 1948م، الزعيم الهندي خلال حركة استقلال الهند على ضبط وتوجيه الاستهلاك عندما حارب بريطانيا العظمى، فقد كان الإنتاج البريطاني يعتمد على الاستهلاك الهندي، فقرر غاندي أن ينتصر بتدريب قومه على الاستغناء، فاستغنوا عن المنتجات البريطانية، فحرر قومه من التبعية الاقتصادية لبريطانيا.
وإذا نظرنا إلى نتائج السلوك الاستهلاكي في رمضان: فنجده ينعكس على الجميع بالرفاهية والتوسعة في العيش لجميع فئات المجتمع وخاصة الفقيرة منها؛ لأن الانخفاض في كمية الاستهلاك يحافظ على الأسعار الطبيعية للسلع والحاجات الضرورية.
كما أن الزيادة في كمية الاستهلاك لحد التبذير والإسراف؛ يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وخلو الأسواق من الحاجات الضرورية، وإحلال الكماليات محلها؛ لأن التجار سيتحكمون فيما يجلب إلى الأسواق، وهذا سيؤدي بالتبعية إلى التضييق على الفقراء.

ثالثًا: بين البركة الاقتصادية والتربية الاستهلاكية:

لقد ربط القرآن الكريم بين البركة الاقتصادية والتربية الاستهلاكية، فشهر رمضان يتسم بمضاعفة الخيرات، وحلول البركات؛ فهو بحق شهر البركة الاقتصادية، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “أَتَاكُمْ شَهْرُ رَمَضَانَ شَهْرُ بَرَكَةٍ فِيِهِ خَيْرٌ، يَغْشَاكُمُ اللهُ فِيهِ، فَيُنزِلُ الرَّحْمَةَ، وَيَحُطُّ فِيهِ الخَطَايَا، وَيَسْتَجِيبُ فِيهِ الدُّعَاءَ، يَنْظُرُ اللهُ إِلى تَنَافُسِكُم وَيُبَاهِي بِكُمْ مَلَائِكَتَهُ، فَأَرُوا اللهَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خَيْرًا، فَإنَّ الشَّقِىّ مَنْ حُرِمَ فِيهِ رِحْمَةَ اللهِ”.(7)
وقد ربط القرآن الكريم بين التقوى والبركة في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 96]. فهذه البركة الاقتصادية المتعلقة بهذا الشهر الكريم… غير أن هذه الزيادة في البركة الاقتصادية في شهر رمضان تتحول إلى الاستهلاك لا الادخار؛ فقد أصبح الاستهلاك ديدننا.
لقد كان الجوع وسيلة من الوسائل التربوية المعينة على التقشف وتحمل الأزمات وإحسان العبادة لله؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون وكثير من الصحابة يبيتون الليالي جائعين يشدون الأحجار على بطونهم الخاوية من شدة الجوع، ولا يأكلون إلا ما يأكل سائر الناس… فهل نقتدي بهم، وهل نسلك مسالكهم، ونسير على دربهم، ونتحكم ونرشد استهلاكنا، ونوجه إنفاقنا نحو الأهم، ونترفع عن الكماليات وما لا حاجة بنا إليه من السلع؛ حتى نحقق مقاصد الصيام، ونصوم صومًا حقيقيًّا، ونحقق الكفاية لمجتمعاتنا…
هذه هي أهم مقاصد الأبعاد الاقتصادية للصيام، وأهمية ترشيد الاستهلاك، وأما تعظيم الإنتاج والأمانة في أداء الأعمال، وتحقيق عدالة التوزيع، فهي موضوع المقال التالي.

(1) أخرجه أحمد: 15/428 (9685) وحسنه الأرنؤوط.
(2) البركة في فضل السعي والحركة، لمحمد بن عمر الوصابي الحبشي، ت: 782هـ، ط المكتبة الأزهرية 1414هـ/1994م: 120.
(3) العقد الفريد، لابن عبد ربه الأندلسي، ت: 328هـ، ط1 دار الكتب العلمية-بيروت 1404ه/1984م: 2/209.
(4) أخرجه البخاري: 8/79 (6369) كتاب الدعوات، بَابُ الِاسْتِعَاذَةِ مِنَ الْجُبْنِ وَالْكَسَلِ.
(5) أخرجه البخاري: 3/117 (2397) كتاب في الاستقراض، باب من استعاذ من الدين.
(6) أخرجه أحمد: 16/352 (10599) وصححه الأرنؤوط.
(7) مسند الشاميين، لأبي القاسم سليمان الطبراني: 3/271.

Comments are disabled.