التحول المرتقب في تجارة اللحوم أبعاده الاقتصادية وأحكامه الفقهية

بقلم الدكتور محمد السيد علي

فيما يشبه القفزة النوعية نجحت أمريكا منذ أعوام في إنهاء تجارب تصنيع اللحوم في مختبرات بيولوجية، هذا وقد أعطت وزارة الزراعة الأمريكية العام (2023) الضوء الأخضر لشركتي “أبسايد فود” (Upside Foods) و “غود ميت “1Good Meat) للبدء في تصنيع هذه اللحوم مختبريا، وكانت أول دولة تقوم بالتجارة في هذه اللحوم هي دولة سنغافورة من خلال شركة Eat Just الأمريكية التي كانت أول شركة تحصل على ترخيص لإنتاج مثل هذه اللحوم في أمريكا.
ويتم إنتاج هذه اللحوم عن طريق اقتصاص خزعة من حيوان قد لا تتجاوز قدر حجم البيضة، ثم وضعها في المعمل وتغذيتها بفيتامنيات، ومعادن، وأحماض تمثل خلاصة المواد الغذائية التقليدية، لتتحول في النهاية إلى كمية هائلة من اللحوم، وتستهدف إحدى الشركات القائمة بهذه العملية إنتاج حوالي 50000 رطل من اللحوم سنويا، أي ما يعادل 22000 طن من اللحوم، وهو ما يشكل كمية غير قليل من إنتاجية اللحوم في مقابل مزرعة تقليدية ستعزز الاهتمام بهذه الصناعة(1).

اللحوم المختبرية في ضوء تساؤلات الأمان البيئي والصحي والاقتصادي:

لا شك أن الاتجاه نحو تصنيع اللحوم مختبريا سوف يشكل تحوُّلا اقتصاديا نوعيا وكميا على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية، ومن ورائها باقي الدول التي ستقوم بعمل أو استيراد مثل هذه اللحوم، حيث تسمح هذه العملية بتصنيع كميات من اللحوم عبر المختبر تنافس الإنتاج التقليدي لذات اللحوم.
وهذا يطرح كثيرا من الأسئلة بعضها يخص الاقتصاديين؛ إذ بلا ريب سيشكِّل التحوُّل نحو إنتاج هذه اللحوم انتقالا جزئيا إلى الجزارة الاصطناعية بدلا من الجزارة الحيوانية القائمة على التسمين والنحر، مما سيؤثر على نشاط الإنتاج الحيواني التقليدي.
وإذا كانت هذه العملية تعتمد على التقنية أكثر من الأيدي العاملة، وتقوم على العناصر والأحماض ومواد الكيمياء بدلا من الغذاء الطبيعي القائم على العلف والرعي، فإن هذا بدوره سينعكس على حجم العمالة، والطلب على الأعلاف والمواشي، ومن الطبيعي أن يتأثر القطاع الزراعي تبعا لنقص عن زراعة المحاصيل التي تدخل في عداد الأعلاف الحيوانية.
ومن هنا سوف يتعين على خبراء الاقتصاد أن يجندوا قدراتهم لاستجلاء آثار هذه الصناعة الجديدة التي بلا شك ستؤثر على النشاط الحيواني والزراعي وسوق العمل، وفي طليعة الأسئلة التي يمكن أن توجه لهؤلاء الاقتصاديين: إلى أي مدى تفيد مثل هذه الصناعة في الأمن الغذائي وسد الحاجة إلى منتجات اللحوم؟ وما مدى تأثير التحوُّل إلى هذه الصناعات على أسواق اللحوم طلبا وعرضا؟ وعلى الإنتاج الحيواني الزراعي سلبا وإيجابا؟ وما هو التوقع حول نسبة التحول إلى إنتاج اللحوم المصنعة بالنسبة إلى الإنتاج الحيواني التقليدي؟ وما هي تكلفة هذا الإنتاج بالنسبة للإنتاج التقليدي؟ وهل يمكن أن يكون الاعتماد على هذه التقنية هو المصدر الأول للحصول على اللحوم؟
وتلك أسئلة تستدعي كثيرا من الدراسات الاقتصادية والاجتماعية في ضوء الحقائق والمعارف والإحصاءات التي ستكشف عنها التطورات في مجال تصنيع اللحوم.
وعلى الجانب البيئي والصحي فهناك العديد من التساؤلات التي تحتاج إلى أجوبة، من مثل مدى ملاءمة هذه الصناعة للاشتراطات البيئية، وعدم إضرارها بالبيئة.

اللحوم المصنعة وجدل الإيجابيات والسبيات:

1. حجج المؤيدين:

يستند المؤيدون لهذه الفكرة على جملة من الفوائد التي يمكن أن تتحقق جراء الاعتماد على هذه التقنيات في إنتاج اللحم، فهو لحم يحتوي على كمية عالية من البروتين والمعادن والعناصر المفيدة للجسم، يخلو من الدهون الزائدة والضارة، ولا يخضع للمضادات الحيوية والهرمونات التي يعتمد عليها الإنتاج التقليدي، وهو أقل استهلاكا للطاقة، ولا يتسبب في هدر أجزاء من الحيوان.
كما يسهم بشكل كبير في تحقيق الأمن الغذائي والتصدي للتغير المناخي، حيث يمكن لخلية بحجم بيضة أن تنتج لحماً أكثر بملايين المرات من حظيرة الدجاج المُكدسة بـ20 ألف دجاجة، ومن المتوقَّع أن يصل سكان العالم إلى 9.5 مليار بحلول سنة 2050، فهو أمل كبير في في مجال الأمن الغذائي خاصة وقد بلغ إنتاج اللحم بالطريقة التقليدية إلى ذروته.
ويضيف هؤلاء إلى حججهم أن التقليل من الاعتماد على الإنتاج التقليدي في مجال إنتاج اللحوم من شأنه أن يقلل من إصابة العاملين والمزارعين بالأمراض المترتبة على الاحتكاك المباشر بالحيوان والطيور، تلك التي لا تخلو من البكتيرية أو السالمونيلا وغيرها من الملوثات، كما يقلل من تلويث البيئة ويحافظ على نقاء المياه من التعرض للنترات الناتجة عن مخلفات الحيوانات، كما أن نسبة انبعاثات الغازات الدفيئة منه قليلة جدا مقارنة باللحم الطبيعي، حيث تصل نسبة التوفير إلى 78 و96%، من مثيلها في اللحم الطبيعي، وينتج اللحم البقري ما يزيد على 105 كيلوغرامات من انبعاثات الغازات الدفيئة لكل 100 غرام من البروتين، كما توفر هذه الصناعة من استهلاك الأراضي بنسبة 99% وماء أقل بنسبة تتراوح بين 82% و92% مقارنة بالإنتاج الطبيعي.
وينوِّه هؤلا إلى دور وأثر الاعتماد على هذه التقنية في التقليل من معاناة الحيوانات عبر طرق التسمين، مع الإشارة إلى المشكلات الصحية التي تصاحب اللحوم التقليدية والأمراض التر ترتبط بها: كأمراض القلب والسكر وأنواع من السرطانات، وتثبت الأبحاث الحديثة عكس ذلك في اللحوم المخبرية البديلة.

2. دفوع المعارضين

وفي مقابل هذه النظرة نجد دفوع المقللين من جدوى هذه العملية، ومنها: أن تكلفة وجهد إنتاجه حتى الآن عالية ولا تقترب من اللحم التقليدي، حيث كلَّفت أول قطعة هامبرغر نحو 330 ألف دولار، بينما تكلِّف القطعة الواحدة حالياً 10 دولارات للوحدة الواحدة في مقياس المعمل، وإن كان القائمون على تصنيع هذه اللحوم يستهدفون في فترة قريبة أن يستوي سعر اللحم المصنع من اللحم الطبيعي.
كما يستند هؤلاء إلى بعض الدراسات التي تعرض للتأثيرات البيئية لهذا اللحم على المدى الطويل، والتي قرَّرت تفوُّق أضرارِه الأضرار البيئية للحوم الحيوانية، إضافة إلى أن الحيوانات لديها أنظمة مناعية طبيعية تحميها من البكتيريا وبعض العدوى، وهذا لا يوجد في اللحوم المختبرية، إلى جانب أن اللحم المختبري قد ينتج مزيداً من الاحتباس الحراري على المدى الطويل، بالإضافة إلى سُمِّيّة المنتجات البلاستيكية المستخدمة في هذه العملية، فإذا لم يكن استخدام البلاستيك محكوماً بدقة من الممكن أن يكون اللحم ملوثاً بمسببات اضطراب الغدد الصماء أو مواد أخرى ضارة قبل تعبئته.
ويذكر المؤيدون أن المراعي تساهم في إعادة تدوير كميات كبيرة من النفايات النباتية التي لا يستطيع الإنسان استهلاكها فضلا عن مساهمتها في إنتاج الأسمدة، كما أن المراعي تلتقط الكربون وتخزنه فتحمي الغلاف الجوي منه وتحيله إلى بنية عضوية في التربة، ويشددون على أن خسارة قطاع الثروة الحيوانية ستكون لها تبعات على عدد من الصناعات مثل “الصوف، والأنسجة، والجلد”، وتأثيرات على سكان القرى الذين يعتمدون في دخلهم على الثروة الحيوانية.
ويضيف هذا الفريق أن اللحوم المصنعة لن تكون بديلا للحوم التقليدية إلا من خلال غزو الأسواق وخضوعها لتنافسية كبيرة من حيث السعر والربح، وهذا يعني إغراء المستهلكين بكميات هائلة من اللحوم ما ينعكس إلى استهلاك مرتفع، ومن المعلوم أن الاستهلاك العالي للحوم ضار ليس فقط بالبيئة ولكن أيضًا بصحة الإنسان، إلى غير ذلك من الدفوع التي تشير إلى أن تقييم التكلفة البيئية طويلة الأجل للانتقال من اللحوم التقليدية إلى اللحوم المستزرعة أمر معقد للغاية(3).

الاقتصاد الإسلامي وإشكاليات اللحوم المختبرية:

تضع تقنية صناعة اللحم المختبري مسؤولية كبيرة على عاتق الاقتصاد الإسلامي، بما تطرحه من إشكالية الحل والحرمة، وإشكالية الجدوى والأهمية، وإشكاليات المصالح والمفاسد أو الأضرار والعوائد، وكل أولئك الإشكاليات تحتاج إلى دارسة مستفيضة تفسر الظاهرة وتصف أبعادها وتقرر الحكم فيها.
وهذا يعني أنه سيكون هناك حاجة فقهية لدراسة أحكام وتفاصيل هذه العملية، من حيث التكييف الفقهي لهذه العملية، ودراسة الأحوال والظروف البيئية التي تتم فيها من حيث: طهارة البيئة، وطهارة العناصر الداخلة في التصنيع، وغير ذلك مما له دخل في صياغة الحكم الفقهي؛ كالأضرار التي ستسببها هذه العملية على المستوى الاقتصادي، والصحي، والبيئي، كل ذلك في ضوء عدة قواعد تعتبر مسلماتٍ في الفقه الإسلامي من قبيل:

  1. عدم جواز تناول الميتة.
  2. حرمة بعض أنواع الحيوان كالخنزير وغيره.
  3. عدم جواز تناول حيوان من الحيوان إلا بذكاته ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: 3] .
  4. أن كل جزء أبين من حي فإنه كمييته(2).

ومع استقرار حل بعض الأطعمة في ضوء الأحكام الجزئية، فإن هذا لا يعني حلها مطلقا؛ أو حلها في ضوء منظومة مقاصد الشريعة الإسلامية؛ إذ قد يؤدي تشجيع بعض الصناعات أو الأعمال إلى أضرار عامة ولو على المدى البعيد، مما يستوجب دراسة هذه الأنشطة في ضوء مقاصد الشريعة، وقاعدة الموازنة بين المصالح والمفاسد.
يقول الإمام عز الدين بن عبد السلام: “إذا اجتمعت مصالح ومفاسد فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد فعلنا ذلك امتثالا لأمر الله تعالى فيهما … وإن تعذر الدرء والتحصيل؛ فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة درأنا المفسدة ولا نبالي بفوات المصلحة، قال الله تعالى: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} [البقرة: 219] . حرمهما لأن مفسدتهما أكبر من منفعتهما … وإن كانت المصلحة أعظم من المفسدة حصلنا المصلحة مع التزام المفسدة، وإن استوت المصالح والمفاسد فقد يتخير بينهما وقد يتوقف فيهما، وقد يقع الاختلاف في تفاوت المفاسد”(4).
وهذه الأخيرة تضع مزيدا من العبء على عاتق الاقتصاد الإسلامي؛ حيث تعيِّن عليه دراسة هذه التقنية في ضوء مبادئ الاقتصاد الإسلامي، وفلسفته في الاستهلاك، والإنتاج، والتوزيع، وفي ضوء أهدافه في التنمية، وقاعدة المسؤولية المجتمعية.
فلا ريب أن هذه التقنية تحقق كثيرا من الأهداف التي يطمح لها علم الاقتصاد؛ كتوفير الغذاء، وتحجيم الجوع، وتقليل تكاليف الإنتاج، لكن تكلفة الفرصة البديلة في هذه الحالة، قد تؤثر على حجم العمالة، وتقلل من الاعتماد على المراعي الطبيعية، التي لها دور كبير في العناية بالبيئة، وتنشيط كثير من الأسواق؛ كصناعات الغزل والنسيج، والجلود، والأعلاف، والأسمدة، والألبان.
وكل ذلك له أثر بالغ على الاقتصاد الكلي والاقتصاد الجزئي، فضلا عن أن هذا الاتجاه يتماشى مع تفضيلات بعض الاتجاهات الغربية التي تقود الدعاوى إلى التحوُّل عن الأغذية الحيوانية خضوعا لمزاعم رحمة الحيوان، وهي مزاعم ودعاوى تخالف تفضيلات الاقتصاد الإسلامي الذي ينطلق من أحكام الشريعة الإسلامية، والتي تقرِّر بوضوح أن ذلك مما أحله الله، وكل ما أحله الله تعالى فهو طيب مصلحته خالصة أو راجحة، كما ينطق بذلك كثير من الآيات والأحاديث كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا ‌كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأنعام: 142] إلى آن يقول المولى تبارك وتعالى ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: 145]
وهنا يتأكد دور الاقتصاد الإسلامي من حيث دراسة هذه القضية من جوانبها الفقهية والبيئية والصحية والاجتماعية، وتأثيرها على الاقتصاد الكلي والجزئي، وهي مسؤولية كبيرة يستطيع الاقتصاد الإسلامي أن يقوم بها كما قام بغيرها من قبل، وستكشف الأيام عن قدرته على استيعاب هذه القضية من خلال بحوث وأوراق علمية يقوم بها الباحثون في هذا المجال.

(1) ‘Lab-grown’ meat gets first ever nod from US regulators: ”The most common response we get is, ‘Oh, it tastes like chicken”
(2) ‘Cultured’ meat could create more problems than it solves
(3) مصداقا لحديث أي واقد الليثي قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما قطع ‌من ‌البهيمة وهي حية فهي ميتة» أخرجه أبو داود سنن أبي داود» (3/ 70 )، كتاب الصيد، باب: إذا قطع من الصيد قطعة، حديث رقم «2858»، والترمذي، أبواب الأطعمة، ‌‌باب ما قطع من الحي فهو ميت (4/ 74) حديث رقم «1480» وقال ابن كثير: “وإسْنادُهُ على شَرطِ البخاريِّ»، إرشاد الفقيه إلى معرفة أدلة التنبيه» (1/ 85).
(4) قواعد الأحكام في مصالح الأنام (1/ 98).

Comments are disabled.