العقود الشرعية: عقد الهبة

الأستاذ الدكتور/فياض عبد المنعم

الهبة: أن يهب الإنسان غيره مالًا بغير مقابل. وفي الشرع: تمليك عين (أي مال) بدون عوض، أي بدون مقابل. والهبة إذا اشترط الواهب فيها المقابل كانت هبة ثواب. والهبة مستحبة؛ قال صلى اللَّه عليه وسلم: «تهادوا تحابوا».
ويجوز التوسع فيها؛ لأنها من التبرعات. والقصد منها: الصلة والبر والإحسان؛ ولذلك جازت الهبة مع جهالة الشيء الموهوب؛ فتجوز الهبة مثلًا للثمار قبل بدوِّ صلاحها، وللمال المفقود؛ وإن وجد فهو لفلان مثلًا، أو لقَدْر من المال غير محدد؛ لأن الجهالة في التبرعات معفي عنها؛ فتجوز هبة الدَّيْن لمن عليه الدَّيْن؛ أي: للمدين، ولغير من عليه الدَّيْن.
ولا تُملَّك الهبة إلا بالقبض، وذهب المالكية إلى أنها تُملَّك بمجرد العقد. ويكره الرجوع في الهبة؛ ما لم تكن هبة قوبلت بالثواب. وتصح الهبة والعطية للأبناء، ويستحب التسوية بينهم ذكورًا وإناثًا، وأجاز بعض الفقهاء التفاوت في العطية بين الأبناء لسبب مشروع؛ كالعجز عن الكسب، أو لصغر السن، أو لمواجهة زيادة نفقات أحدهم، أو لتوفير نفقات التعليم، أو للمرض…إلخ.
وهناك صورتان للهبة في الفقه، هما: العُمرَى والرُّقْبَى. والعمرى صورتها: أن يقول رجل لآخر: أعمرتُك داري؛ أي: جعلتها لك عُمري أو عمرك؛ أي: مدة حياتي، أو مدة حياتك. وقد أجازها بعض العلماء وإن كان فيها جهالة في المدة؛ لأنها من التبرعات. وإذا كانت العمرى للمعمَّر وذريته؛ فهي جائزة باتفاق.
أما الرُّقبى، فصورتها: أن يقول الشخص لآخر: أرقبتُك منزلي، أو أرضي؛ أي: جعلتها لك مدة حياتك، فإن متَّ قبلي عادت إليَّ، وإن متُّ قبلك بقيَت لك، وسُمِّيت رقبى؛ لأنها تتحدد في ضوء ترقب موت أيٍّ منهما قبل صاحبه.
ويلاحظ أن الفقه الإسلامي قد أجاز الهبة؛ لأنه يريد أن يوسِّع باب البر بين أفراد المجتمع؛ فيَحدُث التضامن والتماسك الاجتماعي.
والهبة باب واسع لنشر روابط ممتدة داخل شرائح المجتمع؛ فهي جائزة للقريب ولغير القريب، ولطلاب العلم وللمحتاجين، وقد تعامل النبي صلى اللَّه عليه وسلم مع أصحابه بالهبة، كما أن الصحابة رضوان اللَّه عليهم انتشرت بينهم هبةُ المال بعضهم لبعض.

Comments are disabled.