النظم المالية الإسلامية وتمويل التنمية المستدامة: إحياء الأرض الموات (1/3)

بقلم الدكتور/ عبد الناصر حمدان بيومي

يرتبط الحديث عن التنمية المستدامة في عصرنا بالاقتصاد الغربي، وأهداف التنمية المستدامة السبعة عشر التي وضعتها الأمم المتحدة وفق رؤيتها 2030م، ونحن نثمن هذا المسلك للحفاظ على موارد البيئة وحسن استثمارها؛ لتلبية احتياجات هذا الجيل والأجيال القادمة.
ومن المعلوم أن دعوة الإسلام عالمية وموجهة للناس كافة، وتشريعاته شاملة لكل نواحي الحياة، فهل نجد في الإسلام منهجًا واضحًا ومسلكًا بينًا وطريقًا ممهدًا لتحقيق التنمية المستدامة؟ وهل وضع الإسلام الأدوات والوسائل الكفيلة بتحقيق التنمية المستدامة؟
هذا ما سنكشف عنه تباعًا من خلال تناول النظم المالية الإسلامية، وعقود المعاملات المالية، وبيان دورها في تحقيق التنمية المستدامة، ونبدأ بعقد إحياء الأرض الموات، الذي شُرِع لتحقيق المصلحة الخاصة للأفراد، والمصلحة العامة للمجتمعات والدول.

أولاً: مفهوم إحياء الموات والتحجير:

الموات القابل للإحياء هو الأرض التي لم يملكها أحد، ولم يوجد فيها أثر عمارة وانتفاع. وإحياؤها يكون باستصلاحها للزراعة بحسب عرف الناس وعاداتهم؛ كالبناء عليها أو الغرس والحراثة أو شق النهر أو إلقاء البذور، أو السقاية مع حفر الأنهار، أو التحويط بحيث يعصم الماء؛ لأنه من جملة البناء. وعمومًا فإن الإحياء يختلف بحسب الغرض المقصود من الأرض.
فمعنى إحياء الموات: “إحياء الأرض التي لا مالك لها، أو الأرض الخراب الدارسة غير العامرة، فلا عمارة فيها ولا ماء، ولا يملكها ولا ينتفع بها أحد.(1)
وأما التحجير: فهو ضرب حدود حول ما يريد إحياءه، ووضع الأحجار وغيرِها في أرضه عَلَمًا ليحجرها ويمنعها عن الغير.(2)
والمقصود بالتحجير: الإعلام بأحقية إحيائها والشروع في استصلاحها، بالتحويط وتحديد الأرض التي يريد إحياءها بعلامات ظاهرة؛ كأحجار أو أسلاك أو نحو ذلك في أطراف الأرض؛ لئلا يضع غيره يده عليها. فالتحجير بمثابة التمهيد لاستصلاح الأرض وجعلها صالحة للزراعة، برفع عوائق الزراعة من أحجار وأعشاب، واستخراج الماء، وتوفير التربة الصالحة للزراعة، وإقامة الأسوار عليها أو تشييد البناء فيها.
وضابطه: التهيئة للمقصود؛ ولا يحصل الإحياء بالتحجير، بوضع الأحجار أو الأشواك أو بناء سور حول الأرض، لكن المتحجر يكون أحق بها من غيره، ولا تؤخذ منه إلى ثلاث سنين، فإذا لم يعمرها فيها، أخذها الحاكم منه ودفعها إلى غيره؛ بدليل قول عمر: “لَيْسَ لِمُتَحَجِّرٍ بَعْدَ ثَلاثِ سِنِيْنَ حَقٌّ”(3)، وهذا في الديانة، وأما القضاء: فإذا أحياها غيره قبل مضي ثلاث سنين، فإنه يملكها دون المتحجر؛ لتحقق سبب الملك منه دون المتحجر.(4)

ثانيًا: مشروعية إحياء الموات ودورانه على المصلحة.

إحياء الموات مشروع بالسنة النبوية؛ لحديث جابر بن عبد الله عن النبي أنه قال: “مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ”(5)، وحديث: “مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ فِيهِ حَقٌّ”.(6)
وكذلك الحديث النبوي: “مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ”.(7)
وحديث: «مَنْ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ».(8)
وقد دلت الأحاديث على مشروعية إحياء الأرض الموات التي لا مالك لها، ولا ينتفع بها أحد، فيحييها الشخص بالتحويط والسقي والزرع والغرس والبناء عليها.
كما بينت دوران إحياء الأرض الموات على جلب المصالح ودرأ المفاسد، فإحياء الموات يتيح الفرصة كاملة لمن يتمكن من توظيف موارده وإمكاناته المادية في نفع نفسه أصالة، والمجتمع من حوله بالتبعية، وما يستتبعه من آثار إيجابية على مستوى الأمة وازدهار اقتصادها ونمو مواردها وتكامل طاقاتها.

ثالثًا: مقاصد إحياء الموات.

المقصود من حث الشارع على تيسير سبل إحياء الموات والترغيب فيه، تحقيق مصلحة الخلق في الدارين، وذلك من خلال تحقيق المصالح التالية:

  1. تحقيق مصلحة الفرد وكفايته عن سؤال الناس والبطالة والتواكل.
  2. تلبية حاجة الناس إلى ما تخرجه الأرض من منتجات زراعية ضرورية ومهمة في حياة الناس.
  3. إعمار الأرض، وتوظيف الطاقات والجهود في العمل والإنتاج؛ لتحقيق الرفاهية والرخاء الاقتصادي للمجتمع، وازدهار ونمو الاقتصاد القومي.
  4. الإسهام في التنمية الاقتصادية الشاملة المستديمة، وحسن توظيف الموارد، وتوجيهها للنفع العام والخاص.
  5. الإسهام في الحد من البطالة، وتوفير فرص عمل في مجال الزراعة والصناعة والتجارة، وكل ما يرتبط بالمحاصيل الزراعية من صناعات وخدمات.
  6. القضاء على الفقر والجوع والمرض في المجتمع، من خلال الإعمار وإحياء الموات.
  7. الحفاظ على بيئة صحية ونظيفة وآمنة، والتصدّي لتغيّر المناخ، والتقليل من الانبعاث الحراري.
  8. الإسهام في التشغيل الكامل للاقتصاد الوطني، وتحقيق النفع المستدام من الموارد الطبيعية. وهذه كلها من غايات التنمية المستدامة.
  9. توسيع قاعدة الملكية في المجتمع، من خلال تمليك موات الأرض لمن يقوم بإحيائها.

بقيت الإشارة إلى: أن التطبيق المعياري لإحياء الأرض الموات في العصر النبوي وعصر الخلفاء الراشدين ومن بعدهم؛ كان له دور كبير في استصلاح الأراضي ورفع الإنتاج الزراعي، وتوفير المحاصيل الضرورية والغذاء اللازم للأمة في عصرهم. فكانت هذه التطبيقات المتميزة في عصر صدر الإسلام، هي المصدر الملهم للفقهاء في ضبط وتنظيم إحياء الموات؛ وفقًا لظروف عصرهم وبما يحقق المقصود منها.
وكل ذلك يكشف عن تفرد الاقتصاد الإسلامي بتنظيم وضبط هذه الأداة المهمة من أدوات التنمية المستدامة، وحث وتحفيز القادرين من الأفراد والدولة كذلك على حسن استثمار الموارد وتنميتها، واستصلاح الأراضي الموات التي لا مالك لها، بمبادرة شخصية، أو بإشراف الدولة وتيسيرها لذلك من خلال شق الطرق وتوصيل المياه وإقامة المستشفيات والمدارس وسائر الخدمات، وتيسير كل سبل الحياة لمواطنيها في هذه المجتمعات الجديدة.
وفي واقعنا المعاصر ينبغي تفعيل هذه الوسيلة المهمة “إحياء الأرض الموات”؛ لاستصلاح الأراضي وتنميتها والانتفاع بها، وبالتالي زيادة عرض الموارد المالية في المجتمع؛ وفقًا للضوابط والقواعد المنظمة لهذا العمل في عصرنا؛ حيث أصبحت الدولة راعية ومسئولة عن تنمية كل موارد المجتمع، وتضع القواعد الضابطة والمنظمة لمنع التعارض والتضارب والاستئثار من بعض الناس دون بعض.
هذه هي أهم المقاصد والغايات التي شُرع إحياء الأرض الموات لتحقيقها، وأما العائد على الفرد والمجتمع والدولة من إحياء الموات، فهو موضوع المقال القادم.

(1) انظر: القوانين الفقهية، لابن جزي: 339، مغني المحتاج، للشربيني: 2/361، كشاف القناع، للبهوتي: 4/205.
(2) انظر: شرح حدود ابن عرفة، لمحمد بن قاسم الأنصاري الرصاع، ت: ٨٩٤هـ، ط1 المكتبة العلمية-القاهرة ١٣٥٠هـ: 409، التعريفات الفقهية، لمحمد عميم الإحسان المجددي البركتي، ط1 دار الكتب العلمية-بيروت ١٤٢٤هـ/٢٠٠٣م: 52.
(3) أخرجه أبو يوسف في كتاب الخراج، وفي سنده ضعف: انظر: نصب الراية لأحاديث الهداية، للزيلعي: 4/290.
(4) انظر: بدائع الصنائع، للكاساني: 2/362-366، المغني، لابن قدامة: 5/513، كشاف القناع، للبهوتي: 4/205-212.
(5) أخرجه أبو داود: 2/194 (3074) كتاب الخراج والفيء والإمارة، باب في إحياء الموات، الترمذي: 3/75 (1379) باب في الوقف، وصححه ابن الملقن في البدر المنير: 7/57.
(6) أخرجه البخاري: 6/62 (2335) كتاب المزارعة، باب من أحيا أرضًا مواتًا.
(7) أخرجه البخاري: 6/62 (2335) كتاب المزارعة، باب من أحيا أرضًا مواتًا.
(8) أخرجه البيهقي: 6/142 (12122) كتاب إحياء الموات، باب مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً لَيْسَتْ لأَحَدٍ وَلاَ فِي حَقِّ أَحَدٍ فَهِيَ لَهُ، وحسنه ابن حجر العسقلاني في الإصابة: 1/41.

Comments are disabled.