المدينة المنورة: رعى صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن سلطان بن عبدالعزيز، أمير منطقة المدينة المنورة، حفل افتتاح أعمال الدورة السادسة والأربعين لندوة البركة للاقتصاد الإسلامي، التي تُقام تحت شعار «قطاع البر والإحسان في الاقتصاد الإسلامي: نحو مستقبل جديد»، وينظمها منتدى البركة للاقتصاد الإسلامي خلال الفترة من 9 إلى 11 فبراير 2026م، في جامعة الأمير مقرن بن عبدالعزيز بالمدينة المنورة، بمشاركة نخبة من أصحاب المعالي، وقادة الفكر المالي، والعلماء، وصنّاع القرار، وممثلي المؤسسات المالية والتنموية من 18 دولة، في تجمع فكري واقتصادي يُعد من الأكبر على مستوى المنطقة.
وخلال الحفل، ألقى رئيس مجلس أمناء منتدى البركة للاقتصاد الإسلامي، الأستاذ عبدالله صالح كامل، كلمة أكد فيها أن الاقتصاد الإسلامي انطلق من هذه الأرض المباركة، وأن قطاع البر والإحسان يمثل الركيزة الأهم لتحقيق التنمية المتوازنة وبناء المجتمعات المتماسكة. وأشار إلى أن ندوة البركة في نسختها الخامسة والأربعين استعرضت مسيرة المصرفية الإسلامية خلال خمسين عامًا، فيما تركز نسخة هذا العام على استشراف مستقبل الاقتصاد الإسلامي عبر عدد من الفعاليات والمحطات العالمية.
وأوضح أن المرحلة المقبلة ستشهد مناقشة دور رأس المال في قمة إسطنبول، يعقبها طرح محور «الأخلاق والقيم» في قمة لندن الخامسة، باعتبارهما أساسًا للاقتصاد الإسلامي، بما يسهم في رسم ملامح المستقبل من خلال ثلاثة مسارات رئيسية: اقتصاد البر والإحسان، وتفعيل دور رأس المال، وترسيخ الالتزام الأخلاقي.
وأشار إلى أن المصرفية الإسلامية، والصكوك، والتأمين التكافلي، إلى جانب التقنيات المالية الحديثة، تمثل أدوات فاعلة لدعم هذه المسارات وتعزيز أثرها التنموي، منوهًا بما أطلقته المملكة من رؤية طموحة لتفعيل القطاع غير الربحي وتمكينه، بما يعزز إسهامه في التنمية المستدامة، مؤكدًا أن مثل هذه اللقاءات العالمية تسهم في نقل التجربة الوطنية وإبراز مؤشراتها الإيجابية.
من جانبه، ألقى مفتي الجمهورية التونسية، معالي الشيخ هشام بن محمود، كلمة أكد فيها أن انعقاد الندوة في رحاب مدينة رسول الله ﷺ يجسد قيم البر والإحسان والتكافل التي قامت عليها الرسالة المحمدية، مستشهدًا بنموذج التآزر بين المهاجرين والأنصار، ومبينًا أن هذه القيم تمثل أساس العمل الإنساني والاقتصادي في الإسلام.
وأشاد بالدور الريادي للمملكة، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان – حفظهما الله – في دعم مسارات العمل الخيري والتنموي وترسيخ مبادئ الرحمة والتكافل، مثمنًا تجربة مجموعة البركة وبنك البركة في تونس بوصفها نموذجًا متكاملًا يجمع بين العمل المصرفي والرؤية الفقهية، قائمًا على مبدأ التكافل ودعم المحتاجين. ونوّه بإسهامات الشيخ صالح عبدالله كامل – رحمه الله – في خدمة العمل التنموي، ومواصلة أبنائه وأسرته لهذا النهج، معربًا في ختام كلمته عن شكره وتقديره لرعاية سمو أمير منطقة المدينة المنورة.
كما شهد الحفل عرضًا مرئيًا رئيسيًا من إعداد وإنتاج منتدى البركة للاقتصاد الإسلامي بعنوان «اقتصاد البر والإحسان: العطاء الذي يصنع الأثر»، تناول الجذور التاريخية لاقتصاد العطاء في الإسلام منذ أول وقف في المدينة المنورة، وصولًا إلى تحوّل القطاع غير الربحي إلى رافد اقتصادي وتنموي مؤثر في العصر الحديث. واستعرض العرض أدوات الاقتصاد الإسلامي غير الربحي، وفي مقدمتها الزكاة والوقف والصدقات والقرض الحسن، إلى جانب إسهام المصارف الإسلامية والتقنيات المالية الحديثة ومنصات التمويل الجماعي في دعم العمل الخيري المؤسسي وتعزيز الشفافية وتسريع الأثر.
كما أبرز العرض الدور الريادي للشيخ صالح عبدالله كامل – رحمه الله – في إحياء المفهوم المؤسسي لاقتصاد البر والإحسان، وتأسيس منتدى البركة للاقتصاد الإسلامي بوصفه وقفًا فكريًا مستقلًا يُعنى بتطوير الفكر الاقتصادي الإسلامي وربط أدوات العطاء بمنهجيات الاستدامة والأثر.
وسلّط العرض الضوء على تجربة المملكة العربية السعودية في تمكين القطاع غير الربحي ضمن رؤية المملكة 2030، بوصفه قطاعًا يُدار بمنهجية مؤسسية، حيث تجاوز عدد الجهات غير الربحية 7,331 جهة، محققًا نموًا يفوق 400% منذ عام 2017، وبمساهمة اقتصادية تتجاوز 100 مليار ريال تمثل نحو 3.3% من الناتج المحلي الإجمالي، إضافة إلى أكثر من 15 مليار ريال عبر المنصات الرقمية خلال عام 2024، وبمشاركة ما يزيد على 1.2 مليون متطوع، وبمستوى ثقة مجتمعية تجاوز 88%، بما يعكس تحوّل القطاع غير الربحي إلى قوة تنموية فاعلة تدعم الاستدامة الاقتصادية والاجتماعية.
كما شهد سمو أمير منطقة المدينة المنورة توقيع ثلاث مذكرات تفاهم؛ جاءت الأولى بين منتدى البركة للاقتصاد الإسلامي والجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، بهدف تعزيز التكامل بين الجهتين ورفع مستوى البرامج والأنشطة التي تخدم تنمية الإنسان.
فيما جاءت المذكرة الثانية بين منتدى البركة للاقتصاد الإسلامي وجامعة INCEIF لدعم البحث العلمي وتشجيع تبادل المعرفة والخبرات، والثالثة بين منتدى البركة للاقتصاد الإسلامي وجامعة الملك عبدالعزيز ممثلة بمعهد الاقتصاد الإسلامي لتعزيز التكامل البحثي والمعرفي وتنمية الموارد العلمية.
انطلاق جلسات «ندوة البركة 46» بالمدينة المنورة بمشاركة خبراء من 18 دولة
انطلقت يوم الاثنين 9 فبراير 2026 / 21 شعبان 1447هـ أولى جلسات أعمال الدورة السادسة والأربعين من ندوة البركة للاقتصاد الإسلامي، التي تُعقد تحت عنوان: «قطاع البرّ والإحسان في الاقتصاد الإسلامي: نحو مستقبل جديد»، وذلك في جامعة الأمير مقرن بن عبدالعزيز بالمدينة المنورة، بمشاركة نخبة من أصحاب المعالي، وقادة الفكر المالي، والعلماء، وصنّاع القرار، وممثلي المؤسسات المالية والتنموية من 18 دولة، في تجمع فكري واقتصادي يُعد من الأكبر على مستوى المنطقة.
وأكد سعادة الأستاذ يوسف حسن خلاوي، الأمين العام لمنتدى البركة للاقتصاد الإسلامي، في كلمته الترحيبية، الأهمية النوعية لموضوع الندوة، مشيرًا إلى أن التركيز على البعد الاقتصادي لا يعني إغفال الأبعاد الشرعية والقانونية والاجتماعية والخيرية المرتبطة بقطاع البرّ والإحسان. وشدد على الدور التأسيسي للمصارف الإسلامية في تطوير مسارات الاقتصاد الإسلامي الحديث، مؤكدًا أن استكشاف طبيعة هذا الدور وحدوده يمثل أحد المحاور الرئيسة التي تسعى الندوة إلى بحثها عبر حوارات علمية جادة.
من جانبه أكد سماحة الشيخ محمد تقي العثماني، رئيس المجلس الشرعي، هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، رئیس جامعة دار العلوم كراتشي، باكستان خلال كلمته، على أهمية التوجه نحو قطاع البر والإحسان باعتباره من أكمل جوانب الاقتصاد الإسلامي، كما أشار إلى أن ندوات البركة أدت دورًا كبيرًا في تطوير الصناعة المالية الإسلامية وتبلور قضايا الاقتصاد الإسلامي.
الجلسة العلمية الأولى: «المفاهيم الأصيلة لقطاع البرّ والإحسان: نحو نموذج فريد وفعّال في الاقتصاد الإسلامي»
وشهدت الجلسة العلمية الأولى، التي جاءت بعنوان: «المفاهيم الأصيلة لقطاع البرّ والإحسان: نحو نموذج فريد وفعّال في الاقتصاد الإسلامي»، مشاركة عدد من الخبراء والمتخصصين في الاقتصاد والشريعة الإسلامية، حيث ناقشت الجلسة الأسس الفكرية والشرعية لدور البرّ والإحسان في تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة.
وترأس الجلسة معالي الشيخ الأستاذ الدكتور سعد الشثري، المستشار في الديوان الملكي برتبة وزير وعضو هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية، موضحًا أن البرّ والإحسان يُعدّ أصلًا جوهريًا في الاقتصاد الإسلامي وليس موضوعًا ثانويًا، لما له من دور في توسيع دائرة الاقتصاد ومعالجة الفقر، عبر تحويل المحتاجين من متلقين للمساعدة إلى منتجين وأصحاب أعمال، بما يفتح آفاقًا أوسع للنمو الاقتصادي المجتمعي. كما أكد أهمية العناية البحثية المتخصصة بهذا القطاع، وضرورة الجمع بين التأصيل الشرعي وقياس الأثر الاجتماعي والاقتصادي.
وخلال الجلسة، تناول الأستاذ الدكتور معز بن بشير المجولي، أستاذ الفقه وعلومه ورئيس قسم الفقه وأصوله بجامعة الزيتونة في تونس، موضوع «البرّ والإحسان في الاقتصاد الإسلامي: من أدوات تعبدية إلى وظيفة اقتصادية منشئة للتكافل ومحققة للعمران»، مؤكدًا أن البرّ والإحسان مؤسسان نصًا في القرآن الكريم والسنة النبوية، ومرتبطان بمقاصد الاستخلاف والعمران، لا بمجرد الإحسان العارض. وأشار إلى الحاجة لإعادة تموضع قطاع البرّ والإحسان ضمن نموذج اقتصادي إسلامي متكامل، من خلال إعادة بناء الوعي الوظيفي، واعتماد التحليل المقاصدي، وتحويل الموارد إلى أدوات تمكين إنتاجي، وترسيخ الحوكمة والكفاءة المؤسسية.
كما استعرض الدكتور بلقاسم الزبيدي، الأستاذ المشارك بقسم الشريعة والدراسات الإسلامية في جامعة الملك عبدالعزيز، مفهوم الإحسان في الشريعة بوصفه منظومة تشريعية متكاملة ومحركًا للعطاء، موضحًا أنماطه المتعددة، ومنها الزكاة باعتبارها إحسانًا واجبًا لتحقيق الكفاية، والصدقات كإحسان طوعي لسد فجوات الحاجة، والقرض الحسن كإحسان تمكيني لمعالجة نقص السيولة، إلى جانب أنماط الإحسان النفعية غير المالية.
وأكد معالي الأستاذ الدكتور فياض عبد المنعم، وزير المالية المصري الأسبق وأستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر، أن فرضيات التحليل الاقتصادي الإسلامي تتميز بواقعيتها في فهم النفس الإنسانية، مشيرًا إلى أن سلوك البرّ والإحسان يعد من العوامل الداعمة للنمو الاقتصادي، وأن مفهوم البركة يمثل نماءً حقيقيًا لا يقتصر على الزيادة الظاهرية، مؤكدًا أن قطاع البرّ والإحسان يشكل مكونًا مؤثرًا في الاقتصاد الكلي، ويمكن أن يصل إلى نحو ثلث النشاط الاقتصادي كهدفٍ مرغوب.
وفي سياق متصل، تناول سعادة الأستاذ الدكتور محمد عزمي عمر، الرئيس والمدير التنفيذي للجامعة الدولية للتعليم في المالية الإسلامية بماليزيا، تطور العمل الخيري في النماذج الغربية ودور أدوات التمويل الاجتماعي الإسلامية، مشيرًا إلى فرص التقارب بين النماذج المعاصرة ونماذج التمويل الإسلامي عبر تعزيز الاحترافية، وقياس الأثر، وتفعيل الزكاة والوقف بصورة إنتاجية.
واختتم الجلسة الأولى معالي الأستاذ الدكتور عبدالناصر أبو البصل، وزير الأوقاف الأردني الأسبق، بالتأكيد على استقلالية وتميّز قطاع البرّ والإحسان بوصفه عنصرًا أصيلًا في الاقتصاد الإسلامي، نشأ مع البعثة النبوية وأسهم في بناء الحضارة الإسلامية، مشددًا على ضرورة الحفاظ على استقلالية هذا القطاع تنظيمًا وإدارةً في العصر الحديث.
وشهدت الجلسة العلمية الثانية، التي حملت عنوان «دور المصارف الإسلامية في بناء وتطوير قطاع البرّ والإحسان»، مشاركة عدد من المختصين والخبراء من عدة دول.
وخلال الجلسة الثانية التي جاءت بعنوان “دور المصارف الإسلامية في بناء وتطوير قطاع البر والإحسان“، عبر محمد المأمون القاسمي الحسني، وزير الدولة، عميد جامع الجزائر، عن تقديره للعلماء الذين أسهموا في إثراء ندوات البركة بدراسات علمية قيمة، وبفتاوى أصبحت مرجعًا مهمًا للمؤسسات المالية الإسلامية بوجه عام، كما خصّ بالذكر مؤسس الندوة الشيخ صالح عبدالله كامل رحمه الله، الذي كان له فضل التأسيس والسبق مع نخبة من الرواد الذين أسسوا للمالية الإسلامية وواكبوا تطورها ومسيرتها.
واستعرض خلالها فهد العليان، نائب أول للرئيس ورئيس مجموعة الشريعة والاستدامة والمسؤولية الاجتماعية في بنك الجزيرة، مفهوم المسؤولية الاجتماعية وأهدافها، مؤكدًا أنها تمثل التزامًا أخلاقيًا تجاه المجتمع، ومستعرضًا تجربة بنك الجزيرة في مجال البرّ والإحسان من خلال تخصيص 100 مليون ريال ورصد 1% من صافي أرباح البنك لدعم برامج الاستدامة والمسؤولية الاجتماعية.
كما تناول الدكتور طارق إسماعيل يوسف، مدير الرقابة الشرعية في البنك الإسلامي العربي، الدور الاستثماري الاستراتيجي للمصارف الإسلامية في قطاع الإحسان، مشيرًا إلى ضعف الكفاءة الاستثمارية لموارد البرّ، وداعيًا إلى تحول المصارف الإسلامية من مجرد قناة تبرع إلى شريك استراتيجي، مع استعراض عدد من الآليات المالية المبتكرة، من بينها صناديق الاستثمار الوقفية وصكوك الأثر الاجتماعي.
وناقشت الجلسة محور «دور الهيكلة والحوكمة في المصارف الإسلامية»، حيث أكد محمد إروان مبارك، رئيس مجلس إدارة بنك كيرجاساما راكيات في ماليزيا، أهمية دمج مقاصد الشريعة في الحوكمة وصنع القرار وهيكلة المنتجات، والتركيز على الأثر التنموي القابل للقياس، مشددًا على دور الشفافية والحوكمة الرشيدة في تعزيز ثقة المجتمع.
قدم الدكتور/ عبدالرحمن بدر القصار، أستاذ مساعد في كلية الكويت التقنية، وعضو معهد الحوكمة المعتمد في بريطانيا وأيرلندا (CGIUKI)، قراءة حوكمية تطبيقية حول دور المصارف الإسلامية في دعم وتطوير قطاع البر والإحسان، مؤكدًا أن التحدي الحقيقي لا يكمن في نقص الموارد، بل في فجوة الحوكمة بين القيم الشرعية والنماذج التشغيلية للمصارف، وأوضح أن الاقتصاد الإسلامي يقوم في جوهره على إطار أخلاقي وقيمي أصيل، وأن مفاهيم الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية (ESG) هي إلا إعادة صياغة حديثة لقيم إسلامية راسخة.
الجلسة العلمية الثالثة: «قطاع البرّ والإحسان وقنوات الاستثمار: الاستثمار الخيري في إطار الانضباط الشرعي»،
واختُتمت أعمال اليوم الأول للجلسات بالجلسة العلمية الثالثة بعنوان «قطاع البرّ والإحسان وقنوات الاستثمار: الاستثمار الخيري في إطار الانضباط الشرعي»، وترأسها الدكتور البراء أبو لبن عميد معهد الاقتصاد الإسلامي في جامعة الملك عبدالعزيز، الجلسة الثالثة بعنوان “قطاع البر والإحسان وقنوات الاستثمار: الاستثمار الخيري في إطار الانضباط الشرعي“، حيث شدد على أهمية توجيه الموارد الخيرية نحو مسارات استثمارية رشيدة تحقق الأثر التنموي المستدام، مع الالتزام بالضوابط والقيم الشرعية، كما أشار إلى ضرورة تعزيز كفاءة إدارة الأموال الخيرية بما يسهم في تعظيم نفعها وخدمة المجتمع على المدى الطويل.
إضافة إلى ذلك، قدم الدكتور فاسيهار حسن عبد الرزاق عضو مجلس الإدارة في بنك كيرجاساما راكيات ماليزيا المحدودة، تعقيباً على أعمال الجلسة بعنوان: “قطاع البر و الإحسان وقنوات الاستثمار: الاستثمار الخيري في إطار الانضباط الشرعي“، وأكد في مداخلته أهمية إعادة النظر في الوقف بوصفه منظومة حضارية وتنموية تتجاوز المفهوم الخيري التقليدي، مشدداً على أن دعم قطاع البر والإحسان يتطلب حوكمة مؤسسية واضحة، ودمج مقاصد الشريعة في القرارات الاستثمارية، إلى جانب قياس الأثر الاجتماعي والتنموي بشكل منهجي، كما أشار إلى ضرورة تطوير أدوات استثمارية حديثة توازن بين الالتزام الشرعي والكفاءة الاقتصادية لتحقيق تمكين مستدام للمستفيدين.
كما أكد خلالها الدكتور عبدالله الكيلاني، أستاذ الفقه وأصوله بالجامعة الأردنية، أن الوقف يمثل نظامًا اقتصاديًا واجتماعيًا متكاملًا، مشددًا على أهمية الانتقال من الإدارة التقليدية للأوقاف إلى نماذج حديثة تجمع بين الانضباط الشرعي والحوكمة المؤسسية، مع توظيف الأدوات المالية والتقنية المعاصرة.
كما استعرض الدكتور محمد الشوبكي، رئيس قسم الشريعة بالجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا، الاجتهاد الفقهي المعاصر في استثمار أموال الزكاة، مؤكدًا أن الزكاة تؤدي وظائف اقتصادية واجتماعية تتجاوز كونها عبادة آنية، وتسهم في تحقيق العدالة والكفاية الاجتماعية، موضحًا أن الرأي الراجح يجيز استثمار أموال الزكاة بصفة استثنائية لتحقيق مصلحة راجحة، وفق ضوابط شرعية محددة.
وفي ختام الجلسة، قدم الدكتور سطان أمير هداية، مدير البنية التحتية لمنظومة الاقتصاد الإسلامي في إندونيسيا، عرضًا حول التوجه الاستراتيجي للاقتصاد والتمويل الإسلامي ضمن رؤية «إندونيسيا الذهبية 2045»، مستعرضًا نماذج إدارة أموال الحج، وأهمية الحوكمة والشفافية وتنويع المحافظ الاستثمارية لتعظيم الأثر الاقتصاد.
تواصل جلسات اليوم الثاني لندوة البركة للاقتصاد الإسلامي في دورتها الـ(46)
تواصلت اليوم الثلاثاء جلسات أعمال اليوم الثاني من ندوة البركة للاقتصاد الإسلامي في دورتها السادسة والأربعين، التي تُعقد تحت عنوان: «قطاع البرّ والإحسان في الاقتصاد الإسلامي: نحو مستقبل جديد»، وذلك في جامعة الأمير مقرن بن عبدالعزيز بالمدينة المنورة، بمشاركة نخبة من الخبراء والمختصين في مجالات الاقتصاد والتمويل والعمل الخيري.
كلمة رئيسية
وسلّط الأستاذ الدكتور عبد الباري خان، رئيس شبكة مستشفيات إندس والخدمات الصحية في باكستان، خلال كلمته الافتتاحية الضوء على الإمكانات الواعدة للأوقاف في القطاع الصحي، مؤكدًا أنها تمثل نموذجًا اقتصاديًا حيويًا يحوّل الثروات إلى منفعة عامة مستدامة. وأوضح، استنادًا إلى دراسة حالة مستشفيات إندس، أن تعزيز منظومة الأوقاف بالابتكار والبحث العلمي يسهم في الارتقاء بالرعاية الصحية من مجرد التزام أخلاقي إلى ركيزة استراتيجية لصمود الأمم وتعزيز عزتها.
الجلسة العلمية الرابعة: «قطاع البرّ والإحسان في الاقتصاد الإسلامي: نحو مستقبل جديد»
وترأس الدكتور طارق أكين، رئيس إدارة الشؤون المالية بمكتب الاستثمار والتمويل في رئاسة جمهورية تركيا، الجلسة الرابعة التي جاءت بعنوان: «مستقبل قطاع البرّ والإحسان في ضوء الابتكار والتطوير: بين الفرص والتحديات»، حيث أكد أهمية الابتكار والتطوير في تشكيل مستقبل التمويل الاجتماعي الإسلامي، مشيرًا إلى ضرورة دراسة الفرص والتحديات التي تواجه قطاع البرّ والإحسان من خلال نماذج وتجارب عملية، بما يسهم في تعزيز أثره وتحقيق استدامته.
ومن جانبه، أكد الأستاذ ديمة دجاني، الرئيس التنفيذي لمجموعة هجرة (Hijra) في إندونيسيا، أهمية تطوير أدوات وقف مبتكرة تُمكّن الأجيال الشابة من المشاركة بسهولة، في ظل صعوبة امتلاك أصول كبيرة يمكن تخصيصها للوقف. وأوضح أن مبادرة «الوقف النقدي المرتبط بالودائع» تهدف إلى دمج مفهوم الوقف في المعاملات المصرفية اليومية، وتعزيز الوعي به كاستثمار مستدام. كما استعرض نتائج ثلاثة مشاريع تجريبية ركزت على دعم فرص العمل، وتوفير المياه النظيفة، وتعزيز الأمن الغذائي، مشيرًا إلى وجود إمكانات كبيرة للنمو رغم التحديات المرتبطة بضعف الثقافة المالية ومحدودية الثقة في بعض الجهات، مؤكدًا أن التكنولوجيا والشمول المالي يمثلان مفتاحًا لتوسيع أثر الوقف مستقبلًا.
بدوره، أكد الأستاذ رافي حنيف، الرئيس التنفيذي لبنك MBSB Berhad، أهمية ترسيخ مفهوم الإحسان في العمل الخيري، موضحًا أن الإحسان لا يقتصر على العطاء فحسب، بل يقوم على الإخلاص والتميز وخلق أثر مستدام ينقل المستفيد من متلقٍ للمساعدة إلى مساهم فاعل في التنمية. وأشار إلى ضرورة قياس الأثر على المستوى الكلي من خلال تتبع مساهمة القطاع غير الربحي في الناتج المحلي الإجمالي، مستشهدًا بتجارب عدد من الدول المتقدمة والمملكة العربية السعودية، كما شدد على أهمية اعتماد إطار واضح لقياس المدخلات والمخرجات والنتائج والأثر؛ لضمان توجيه الزكاة والعمل الخيري نحو التمكين الاقتصادي وتحسين جودة الحياة.
من جهته، استعرض الدكتور زياد محمد، الأستاذ المساعد والباحث الرئيسي في مركز التميز للتمويل الإسلامي بالجامعة الدولية للتعليم في المالية الإسلامية بماليزيا، دور التمويل الجماعي في تعبئة رأس المال للأعمال الخيرية وتطوير الصناعة، موضحًا أن هذا الدور مرّ بعدة مراحل بدأت بإزالة الوسطاء، ثم دمج الهواتف الذكية، وصولًا إلى تسريع بناء الثقة عبر التتبع والشفافية. وقدم نماذج تاريخية من السيرة الإسلامية تؤكد قوة الحشد الجماعي، محذرًا من ما وصفه بـ«عدوى الانتشار» التي قد تصرف التبرعات عن الأولويات الحقيقية. كما شدد على أهمية تنويع مصادر التمويل، وتقليل إرهاق المتبرعين، والتحول من التبرعات إلى التمويل المنتج وفق نموذج تدريجي، مستعرضًا تجربة المملكة العربية السعودية ومنصاتها الوطنية وقدرتها على التبرع السريع وتعظيم الأثر.
وقدم الدكتور فهد الموسى، المستشار الشرعي الأول في بيت التمويل الكويتي، تعقيبًا أشاد فيه باستضافة المملكة العربية السعودية والتنظيم المتميز للندوة، معلقًا على بحوث تناولت توظيف الزكاة والوقف النقدي والتمويل الجماعي في دعم الاقتصاد الحقيقي وتمكين الفئات الوسطى والفقيرة، مؤكدًا أن الزكاة ليست عبادة فردية فحسب، بل أداة تنموية ذات أثر اقتصادي واجتماعي.
كما قدّم سعادة الدكتور خالد خليفة، مستشار المفوض السامي للتمويل الإسلامي وممثل المفوضية لدى دول مجلس التعاون الخليجي، مداخلة تناولت الابتكار في الوقف النقدي والتمويل الجماعي ودورهما في تعزيز الشفافية وبناء الثقة عبر الأدوات الرقمية، مؤكدًا ضرورة الحفاظ على أصالة الزكاة بوصفها منظومة تنموية متكاملة، والدعوة إلى تعزيز استقلالية المنظمات الخيرية وتوسيع نطاق عملها عالميًا.
الجلسة العلمية الخامسة: «نماذج العطاء الإسلامي الفريدة: بين أصالة المفاهيم وحداثة الوسائل والدور المؤسساتي»
فيما ناقشت الجلسة الخامسة خلال الندوة عنوان “نماذج العطاء الإسلامي الفريدة: بين أصالة المفاهيم وحداثة الوسائل والدور المؤسساتي“، والتي استعرضت نماذج العطاء في الاقتصاد الإسلامي، من خلال الزكاة كمسار للعطاء المؤسسي في ضوء المقاصد، والوقف الإسلامي كأصول مستدامة، ودور مؤسسات الصدقة والتبرعات في صناعة الأثر وترسيخ القيم، إلى جانب أدوات تعمل على تعزيز الشمول المالي كالقرض الحسن.
وترأس الجلسة الحوارية الخامسة مدير دار الحديث الحسنية، جامعة القرويين، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في المملكة المغربية الدكتور عبدالحميد عشاق، حيث استعرض خلالها تصنيف أدوات العطاء وفق أبعادها المقاصدية والتي تشمل أدوات الإسعاف الفوري كالزكاة والصدقات لمعالجة الحاجة العاجلة وحفظ الكرامة، وأدوات التمكين كالهبات لتمكين الضعفاء من الاستقلال الاقتصادي، بالإضافة إلى أدوات الاستدامة المؤسسية في مقدمتها الوقف، وأدوات الإرفاق المؤقت كالمنحة. مؤكداً أن الغرض من التصنيف بناء خرائط دقيقة لمكافحة الفقر والهشاشة وربط الزكاة ببرامج التمكين وتخصيص الأوقاف لقطاعات استراتيجية.
وقدّم أستاذ المحاسبة والمراجعة في كلية التجارة بجامعة الأزهر الدكتور عصام أبو النصر ورقة بحثية بعنوان ” الزكاة: من الممارسة الفردية إلى العطاء المؤسسي في ضوء الاقتصاد الإسلامي ومقاصده“، تناولت بيان آلية وكيفية وأهمية التحول من العمل الفردي التطوعي الخيري للزكاة إلى العمل المؤسسي الزكوي مع إشارة أهمية أن تأخذ هذه المؤسسات بأساليب التقنية الحديثة من حوكمة وأتمتة ورقمنة.
كما أشار إلى النتائج الرئيسية للبحث التي تشمل: التحول من العمل الفردي الخيري التطوعي للعمل المؤسسي يعد وسيلة فاعلة لتحقيق التنمية الاجتماعية والمنافع الاقتصادية للزكاة، ومن النتائج أيضاً التحديات التي تتمثل في الخلط بين الزكاة المفروضة والصدقة التطوعية، كما اشتملت النتائج على ضعف وغياب الثقة في العمل المؤسسي أو الجماعي وحب الأفراد للعمل الفردي، ووجود ضغوط على العمل المؤسسي الخيري الإسلامي، كما استعرضت نتائج البحث المقومات منها إنشاء وخلق مؤسسات الزكاة من خلال قانون ووجود قانون يلزم الأفراد بدفع الزكاة، كما خلص البحث إلى نتيجة ضرورة تحقيق التنسيق والتكامل والتناغم بين مؤسسات الزكاة.
فيما أكد الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لمؤسسة الأوقاف الوطنية بجنوب أفريقيا زين العابدين كاجي، أن الوقف يعد من أقوى الأدوات الاستراتيجية المستدامة لتمكين المجتمعات ومواجهة الفقر، مشيراً إلى أهمية الأصول الوقفية في توليد عوائد اجتماعية واقتصادية متجددة تخدم التعليم والصحة والبنية المجتمعية. كما استعرض تجربة جنوب أفريقيا في تطوير أوقاف مؤسسية بارزة مثل المجمعات التجارية الوقفية حول المساجد، والمؤسسات التعليمية والخيرية التي توفر دخلاً دائمًا لدعم المبادرات التنموية. كما أوضح أن مؤسسة الأوقاف الوطنية تعمل وفق إطار حوكمة قانوني وتنظيمي يضمن الاستدامة والشفافية، مع دخولها مرحلة جديدة من التوسع لتعظيم أثر الوقف على المجتمع.
واستعرض رئيس قسم الاستشارات والبحوث الشرعية، البنك الأهلي السعودي الدكتور عبد العزيز الدميجي، الموقع الاستراتيجي للصدقة في أدوات التمويل الإسلامي، والفروق الجوهرية بين الصدقة والهبة مبيناً أن الصدقة ترتبط بمقاصد شرعية محددة ومصارف معلومة ولا يجوز الرجوع فيها بعد إخراجها بينما الهبة أوسع نطاقاً وقد تعطى للغني أو الفقير وتختلف أحكامها، واستعرض فضل الصدقة وآثارها، كما أشار إلى دور منصات التمويل الجماعي في تعزيز الموثوقية والشفافية وحماية الخصوصية. وأكد على أهمية الصدقة والتبرعات بوصفها عبادة مؤسسية فاعلة تسهم في تعزيز التكافل الاجتماعي وترسيخ قيم البر والإنسانية.
من جانبه، استعرض أستاذ مشارك بقسم الفقه المقارن والسياسة الشرعية بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية في جامعة الكويت الدكتور عبدالله عويد الرشيدي، تعريف القرض الحسن وحكمه، وضوابط أخذ الأجرة على القرض الحسن، وسبل تطويره التي تشمل القرض الحسن في البنوك الإسلامية، والصناديق الاستثمارية للقرض الحسن، ووقف النقود للقرض الحسن، إلى جانب بنوك الفقراء، ومنصات التمويل الجماعي للقرض الحسن. بالإضافة إلى استعراضه دور القرض في الوصول إلى الفئات غير المخدومة مصرفياً و دوره في تمكين المرأة وتمكين الشباب ومساعدة المعسرين. كما أكد على أهمية تطوير آليات القرض الحسن بوصفه أحد أبرز أدوات التمويل الاجتماعي غير الربحي القائم على الإحسان والتكافل. وأوضح أن القرض الحسن مشروع شرعاً بضوابط دقيقة تمنع تحوله إلى منفعة ربوية، مشدداً على ضرورة تحديده وإدارته وفق قواعد “لا ضرر ولا ضرار”.
بينما أكد أستاذ التعليم العالي في جامعة القاضي عياض، الحسين آيت سعيد، أن الزكاة تمثل عبادة جماعية ومؤسسة اجتماعية أصيلة لا يجوز اختزالها في ممارسات فردية غير منظمة، مشدداً على أن الدولة هي الجهة الأقدر شرعاً وواقعاً على جمع الزكاة وتوزيعها بكفاءة وعدالة، وأوضح أن ترك الزكاة للأفراد يحد من أثرها التنموي بسبب ضعف القدرة على تحديد المستحقين الحقيقيين وضمان وصولها إلى مصارفها الشرعية، كما أشار إلى أن التنظيم المؤسسي للزكاة يحقق مقاصدها في معالجة الفقر وتحويل المحتاجين إلى عناصر منتجة في المجتمع، مستشهداً بالتجربة التاريخية في عهد الخلفاء الراشدين، وبالواقع المعاصر في الدول التي نجحت في هيكلة الزكاة ضمن منظومة الدولة.
وأشار كبير مفتين ومدير إدارة الإفتاء بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في دبي، الدكتور أحمد عبدالعزيز الحداد، أن ثقافة الصدقة والتكافل متجذرة في الإسلام منذ عهد النبوة، مستلهمة من نموذج المدينة المنورة التي قامت على الإيثار وتقاسم الموارد بين المهاجرين والأنصار، وأوضح أن الصدقة ليست مجرد عمل فردي عابر، بل قيمة حضارية تبني الإنسان والمجتمع وتحقق مقاصد الشريعة في العدل والإصلاح، مشددًا على أن المال أمانة يجب توظيفها في وجوه الخير والواجبات الشرعية، كما أشار إلى أن الإسلام يحفز على الإنفاق المشروع الذي يزكي النفس ويمنع كنز الأموال، داعياً إلى ترسيخ ثقافة العطاء المنظم باعتباره ركيزة أساسية للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
الجلسة السادسة – جلسة حوارية «واقع وآفاق مؤسسات القطاع غير الربحي الشاملة: نظرة مستقبلية»
في حين سلطت الجلسة الحوارية السادسة لندوة البركة للاقتصاد الإسلامي بعنوان “واقع وآفاق مؤسسات القطاع غير الربحي الشاملة: نظرة مستقبلية“، الضوء على آفاق الاقتصاد الإسلامي ودوره في تمكين القطاع غير الربحي، مع مناقشة إسهامات المصارف الإسلامية والمؤسسات المالية، واستشراف التوجهات والتوقعات المستقبلية لهذا القطاع الحيوي.
وأدار الجلسة السادسة الرئيس التنفيذي للمركز السعودي للتحكيم التجاري الدكتور حامد ميرة، حيث أكد خلالها على أهمية تعزيز الحوكمة المؤسسية ورفع كفاءة الأطر التنظيمية لضمان استدامة الأثر، كما أشار إلى ضرورة تبني الابتكار في الأدوات المالية والتقنية لتمكين هذه المؤسسات من أداء دورها الشامل، بما يتواكب مع الرؤى المستقبلية التي تهدف إلى دمج العمل القيمي بالارتقاء التنموي والاقتصادي.
وأكد الأمين العام لمنتدى البركة للاقتصاد الإسلامي يوسف حسن خلاوي خلال الجلسة السادسة، أن منتدى البركة لا يعتبر مجرد مركز أبحاث بل يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك وهو موضوع صنع السياسات واستشراف المستقبل، وأوضح أن المنتدى لديه مشروع طويل المدى ليس به مخرجات ثابتة يتمثل في توصيف مكونات الاقتصاد الإسلامي. كما أشار إلى أن مراكز الفكر لا تعمل على مخرجات سنوية بل تعمل على مخرجات طويلة المدى.
وأضاف الأمين العام لمنتدى البركة للاقتصاد الإسلامي أن دور المصارف الإسلامية لا يتلخص فقط في الصدقة والدفع، مؤكداً أن المصارف الإسلامية في إطار الاقتصاد الإسلامي هي أهم المؤسسات الموجودة، لافتاً إلى وجود بعد حضاري للمصارف الإسلامية كونها من سيمنح ثقة في المؤسسات الوليدة من خلال الخبرة والتخطيط وفكر العمل المؤسسي.
فيما أشار محافظ البنك المركزي الباكستاني جميل أحمد، إلى أهمية إدماج القطاع غير الربحي والمؤسسات الخيرية ضمن المنظومة الاقتصادية الرسمية، نظراً لتنامي حجمها وتأثيرها المتزايد الذي يصل في بعض الحالات إلى مليارات الدولارات، كما شدد على ضرورة الحفاظ على الثقة العامة من خلال أطر تنظيمية واضحة تحدد نطاق أنشطة هذه المؤسسات وتضمن الرقابة والحوكمة الفعالة، وأشار إلى أهمية بناء القدرات المؤسسية، وتوفير الحوافز للتسجيل والامتثال، ودمج المؤسسات الخيرية مع مقدمي الخدمات المالية لتعزيز كفاءتها في إدارة الموارد وتوجيهها نحو دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتحقيق أثر اقتصادي واجتماعي مستدام.
وأكد الأمين العام للمنتدى العالمي للزكاة والوقف محمد غزالي بن محمد نور، أن العالم يشهد تحولات عميقة في القيم والنماذج الاقتصادية السائدة، ما يستدعي إعادة النظر في المنظومات القائمة والعودة إلى الأسس الأخلاقية والإنسانية التي أرساها الإسلام منذ أكثر من أربعة عشر قرناً. مشيراً إلى أن الزكاة والوقف يمثلان أدوات حضارية مستدامة قادرة على تحقيق العدالة، وحفظ الكرامة، وتعزيز السلم الاجتماعي في عالم يعاني من الصراعات والعقوبات الاقتصادية واختلال التوازن. كما دعا إلى تجاوز النظرة المعاملاتية الضيقة نحو مقاربة شمولية قائمة على القيم، والتكامل، والعمل الجماعي لبناء نموذج تنموي أكثر إنصافًا واستدامة للإنسانية.
ندوة البركة (46) تختتم أعمالها وتعلن «رأس المال البشري في المصارف الإسلامية» عنوانًا للدورة المقبلة
اختُتمت أعمال ندوة البركة للاقتصاد الإسلامي في دورتها السادسة والأربعين، بعد انعقاد ست جلسات علمية متخصصة، عُقدت تحت عنوان «قطاع البرّ والإحسان في الاقتصاد الإسلامي: نحو مستقبل جديد»، وشهدت مشاركة نخبة من العلماء والخبراء والممارسين من مختلف الدول.
وأكد سعادة الأستاذ يوسف حسن خلاوي، الأمين العام لمنتدى البركة للاقتصاد الإسلامي، في كلمته الختامية، أن الندوة جسّدت مساحة علمية رصينة للحوار والتأمل واستشراف آفاق المرحلة المقبلة، مشيرًا إلى أن النقاشات الثرية كشفت عن فرص واسعة للاجتهاد والبحث والابتكار في مسار الاقتصاد الإسلامي، في ظل التحولات الاقتصادية العالمية المتسارعة.
وأوضح أن «اقتصاد البرّ والإحسان» يُعد عنوانًا مرشحًا للمرحلة القادمة من تطور الاقتصاد الإسلامي، مبينًا أن المصرفية الإسلامية كانت – بلا نزاع – العنوان الأبرز خلال الخمسين عامًا الماضية، وأسهمت في ترسيخ حضوره المؤسسي عالميًا، إلا أن المرحلة المقبلة قد تشهد بروز اقتصاد البرّ والإحسان إطارًا أشمل لتعزيز الأثر التنموي والاجتماعي، مع استمرار الدور المحوري للمصرفية الإسلامية بوصفها الكيان الأكبر من حيث الأصول والانتشار والقبول.
وأعلن خلاوي أن الدورة المقبلة (47) من الندوة ستُخصّص للمصرفية الإسلامية تحت عنوان «رأس المال البشري في المصارف الإسلامية»، حيث سيتناول الطرح عددًا من القضايا المحورية، من بينها دور الهيئات الشرعية وقضايا التأهيل والاستخلاف، وتطوير القيادات المصرفية، وصياغة ميثاق أخلاقي للعاملين في المؤسسات المالية الإسلامية، بما يعزز الحوكمة الرشيدة ويرسّخ القيم المهنية المستمدة من الشريعة الإسلامية.
وثمّن الأمين العام الجهود العلمية التي قدّمها الباحثون والمعقبون، مؤكدًا أن موضوع هذا العام فتح آفاقًا بحثية جديدة أمام الجامعات ومراكز الدراسات، وأسهم في تعزيز التكامل بين التنظير والتطبيق، ودعم بناء جيل من الباحثين المتخصصين في قضايا البرّ والإحسان وأدواته المؤسسية.
وعلى هامش أعمال الندوة، عُقدت سلسلة من الندوات وورش العمل العلمية التي ناقشت محاور الدورة، وشهدت حضورًا وتفاعلًا لافتًا.
فقد قدّم الأستاذ الدكتور إلياس دردور، رئيس قسم الشريعة والقانون بجامعة الزيتونة – تونس، محاضرة بعنوان «الهندسة المالية للأوقاف: الصكوك الوقفية والصناديق الوقفية – هياكلها وآلياتها وعوائدها»، استعرض خلالها الأطر الفنية والشرعية لهذه الأدوات بوصفها مدخلًا معاصرًا لتطوير العمل الوقفي وتعزيز استدامته. وأوضح أن الصكوك والصناديق الوقفية تمثل أدوات حديثة قادرة على تعظيم العائد مع الحفاظ على الأصل والالتزام بالضوابط الشرعية، فضلًا عن دورها في توسيع قاعدة المشاركة المجتمعية وتحويل الوقف إلى أداة تنموية فاعلة تسهم في دعم المشاريع الخيرية وتحقيق أثر اقتصادي واجتماعي مستدام.
وفي مسار «تسطير ذكرى الرواد»، حاور الأستاذ الدكتور بشر موفق، المشرف العام على موسوعة الاقتصاد والتمويل الإسلامي، سماحة الشيخ محمد تقي العثماني، رئيس المجلس الشرعي بهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (أيوفي)، في جلسة بعنوان «ذكرياتي مع المصرفية الإسلامية». واستعرض الشيخ العثماني بداياته العلمية ومسيرته الأكاديمية، مؤكدًا أهمية الجمع بين التأصيل الشرعي ومتطلبات الواقع، ودور العلماء في تطوير الصناعة المصرفية الإسلامية من خلال البحث والتأليف وصياغة العقود والمنتجات المتوافقة مع الشريعة.
وقدمت الدكتورة إيمان شادي، السكرتير التنفيذي لمركز التفكير الاستراتيجي، ورشة بعنوان «النمو الديمغرافي والتوسع الاقتصادي الإسلامي: آفاق جديدة»، تناولت فيها أثر النمو السكاني للمسلمين عالميًا في تعزيز قوة العمل الشابة وزيادة الطلب على المنتجات المتوافقة مع الشريعة، مؤكدة أهمية التخطيط القائم على البيانات لمواجهة تحديات التعليم والتوظيف والصحة، واستثمار الفرصة الديمغرافية في الأسواق الإسلامية سريعة النمو.
وفي اليوم الثالث، عُقدت ورشة «سبل توظيف الأوقاف في دعم المشاريع الخيرية والاجتماعية»، افتتحها مدير التعاون الدولي في منتدى البركة إبراهيم السيد، فيما استعرض الدكتور عبدالله الغامدي – خبير في القطاع الوقفيالمفهوم الشرعي للوقف ونماذج توظيفه في المملكة في مجالات الحرمين الشريفين والتعليم والصحة والمشاريع المجتمعية. وأشار إلى أن رؤية المملكة 2030 تستهدف رفع مساهمة القطاع غير الربحي في الناتج المحلي الإجمالي إلى 5% بحلول عام 2030، لافتًا إلى أن أصول الأوقاف في المملكة تُقدّر بنحو 430 مليار ريال.
كما ناقشت ورشة «تفعيل المقاصد الشرعية في قطاع البرّ والإحسان وتطبيقاتها في المجتمعات المعاصرة» الأطر التطبيقية للمقاصد وآليات تحويلها إلى أدوات مؤسسية تعزز الأثر الاجتماعي والاستدامة. واستعرض الدكتور عبد الناصر حمدان – مدير مشروع المقاصد، منتدى البركة للاقتصاد الإسلامي مفهوم «اقتصاد الكرامة» القائم على تمكين المستفيد والانتقال من التبرع الموسمي إلى الوقف الاستثماري والتنمية الذكية، فيما تناول الدكتور علي أبو العز – رئيس إدارة التدقيق الشرعي الداخلي، البنك الإسلامي الأردني آليات الحوكمة المقاصدية وأهمية الرقابة الشرعية المستقلة وقياس الأثر المؤسسي.
وشهدت الورشة مناقشة خمسة محاور رئيسة شملت الضوابط المقاصدية، والاستراتيجيات المؤسسية، والترجمة العملية لمقاصد الزكاة والوقف والقرض الحسن، والتحديات التنظيمية وسبل معالجتها، إضافة إلى أبرز التطبيقات المعاصرة لتعزيز تحول القطاع إلى رافعة تنموية مستدامة.
وأدار الدكتور هشام زكي الجلسة الخاصة برعاية جائزة صالح كامل للاقتصاد الإسلامي تحت عنوان «مبادرة جسور البحث والتطبيق»، التي هدفت إلى ربط البحث الأكاديمي بالتطبيق العملي وإتاحة منصة للطلاب لعرض أبحاثهم ومشاريعهم المبتكرة. واستعرض رؤية الجائزة ومساراتها وقيمتها الإجمالية البالغة مليون ريال سعودي، مؤكدًا أنها تمثل امتدادًا لإرث الشيخ صالح كامل – رحمه الله – في خدمة الاقتصاد الإسلامي وتشجيع الابتكار.
وأكد معالي الأستاذ الدكتور فياض عبد المنعم، وزير المالية المصري الأسبق ورئيس اللجنة العلمية للجائزة، أن الجائزة تمثل مشروعًا علميًا عالميًا يستهدف إحداث نقلة نوعية في مسار الاقتصاد الإسلامي.
وفي ورشة «تمكين العقول الشابة: ريادة الأعمال طريقًا إلى التغيير والإبداع»، قدّم الدكتور وائل الدسوقي، الأمين العام لمؤسسة صالح كامل الإنسانية لريادة الأعمال المستدامة، رؤية ملهمة حول ريادة الأعمال من منظور البرّ والإحسان، مؤكدًا أن نجاح الشركات يُقاس بأثرها الاجتماعي إلى جانب أرباحها، ومشيرًا إلى أهمية الأخلاق في مختلف مراحل العمل، وبناء نماذج أعمال تجمع بين الابتكار والشفافية والمسؤولية، وتضع الإنسان والكرامة في قلب التنمية الاقتصادية.
واختُتمت أعمال الندوة بالتأكيد على أهمية تحويل توصياتها إلى برامج تنفيذية وشراكات فاعلة، تسهم في تطوير منظومة الاقتصاد الإسلامي وتعزيز دوره في تحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ قيم العدالة والتكافل في المجتمعات.


