الحيل الفقهية في المعاملات المالية “أقسام الحيل” [2]

إعداد الدكتور: محـــمــد عبد الحليم هـــيكـل
مراجعة الأستاذ الدكتور: فياض عبد المنعم حسانين

هناك ثمة تقسيمات قسمها الفقهاء للحيل الفقهية وذلك باعتبارات عديدة، فمن الفقهاء من قسمها باعتبار حكمها، ومنهم من قسمها باعتبار المقصد والوسيلة، ومنهم من قسمها باعتبار تفويت المقصد الشرعي كليًا أو جزئيًا، على النحو التالي: –
فمن حيث حكمها تنقسم خمسة أقسام تبعاً للأحكام الخمسة: الواجب، المندوب، والمباح، والمكروه، والمحرم فمباشرة الأسباب الواجبة حيلة على حصول مسبباتها؛ فالأكل والشرب واللبس والسفر الواجب حيلة على المقصود منه، والعقود الشرعية واجبها، ومستحبها ومباحها كلها حيلة على حصول المعقود عليه.
والأسباب المحرمة كلها حيلة على حصول مقاصدها منها، وليس الكلام في الحيلة بهذا الاعتبار العام الذي هو مورد التقسيم إلى مباح ومحظور؛ فالحيلة جنس تحته التوصل إلى فعل الواجب، وترك المحرم، وتخليص الحق، ونصر المظلوم، وقهر الظالم وعقوبة المعتدي، وتحته التوصل إلى استحلال المحرم، وإبطال الحقوق، وإسقاط الواجبات (1).

ومن حيث المقصد والوسيلة تنقسم إلى أربعة أقسام، وهي (2): –

الأول: أن تكون الحيلة مُحرَّمة ويُقصد بها المحرَّم. الثاني: أن تكون مباحة في نفسها ويُقصد بها المحرم؛ فتصير حرامًا تحريمَ الوسائلِ ‌كالسفر ‌لقطع ‌الطريق وقتل النفس المعصومة.
وهذان القسمان تكون الحيلة فيهما موضوعة للمقصود الباطل المحرم، ومُفْضِية إليه، كما هي موضوعة للمقصود الصحيح الجائز ومفضية إليه؛ فإن السفر طريق صالح لهذا وهذا.
الثالث: أن تكون الحيلة هي الطريق أو الوسيلة، ولم توضع للإفضاء إلى المحرم، وإنما وضعت مُفْضِية إلى المشروع كالإقرار والبيع …، فيتخذها المتحيل سُلَّمًا وطريقًا إلى الحرام، ولاسيما في المعاملات المالية النازلة.
الرابع: أن يقصد بالحيلة أخذ حقٍ أو دفع باطلٍ، وهذا القسم ينقسم إلى ثلاثة أقسام.
أحدها: أن يكون الطريق محرَّمًا في نفسه، وإن كان المقصود به حقًّا، مثل: أن يكون له على رجل حق فيجحده، ولا بيّنة له، فيقيم صاحبه شاهدي زور يشهدان به ولا يعلمان ثبوتَ ذلك الحق، فهذا يأثم على الوسيلة دون المقصود. الثاني: أن تكون الطريق مشروعًا، وما يفْضي إليه مشروعًا، وهذه هي الأسباب التي نصبها الشارع مُفْضِية إلى مسبَّباتها، كالبيع والإجارة والمُسَاقاة والمزارعة والوكالة، بل الأسباب محل حكم اللَّه ورسوله. الثالث: أن يحتال على التوصل إلى الحق أو على دفع الظلم بطريق مباحة لم توضع مُوصلة إلى ذلك، بل وضعت لغيره، فيتخذها هو طريقًا إلى هذا المقصود الصحيح، أو تكون قد وضعت له لكن تكون خفيّة ولا يفطن لها.
إذاً فحكم الحيل يأخذ حكم مقصدها ووسيلتها، وإن كان الأعم الأغلب استخدام الحيل في الشر، وتعطيل الشريعة، والتنصل من أحكامها.

ومن حيث تفويت المقصد الشرعي كليًا أو جزئيًا تنقسم إلى خمسة أقسام، وهي (3):

الأول: ‌تحيّل ‌يفوت المقصد الشرعي ولا يعوّضه بمقصد شرعي آخر، وهذا لا ينبغي الشك في ذمَّه وبطلانه، ووجوب المعاملة بنقيض مقصِد صاحبه إن اطلع عليه.
الثاني: تحيّل على تعطيل أمر مشروع على وجه ينقل إلى أمر مشروع آخر، أي استعمال الشيء باعتبار كونه سبباً. فإن ترتّب المُسبب على سببه أمر مقصود للشارع. ومثله هذا الانتقال من سبب حكم إلى سبب حكم آخر، في حين يكون المكلف مخيّراً في اتباع أحد السببين. فعلم أن أحدَهما يكلفه مشقةً فانتقل إلى الأخفّ. وهذا النوع جائز على الجملة لأنه انتقال من حكم إلى حكم، وما فوّت مقصداً إلا وقد حصّل مقصداً آخر. كالتجارة بالمال المتجمع خشية أن تنقصه الزكاة، فإنه إذا فعل ذلك استعمل المال في مأذون فيه؛ فيحصل مسبب ذلك، وهو بذل المال في شراء السلع وترتب عليه نقصانه من النصاب فلا يُزكى زكاة النقدين، ولكن انتقلت مصلحة ذلك المال من نفع الفقير إلى منافع عامة تنشأ عن تحريك المال وتنميته بالتجارة؛ ومن ثم انتقلت زكاته إلى زكاة التجارة.
الثالث: تحيّل على تعطيل أمر مشروع على وجه يسلك به أمراً مشروعاً هو أخفُّ عليه من المنتقَلِ منه. وهذا ألصق بمقام الترخّص إذا لحقت المكلف مشقةٌ من الحكم المُنتقَل منه. وهذا أقوى من الرخصة المفضية إلى إسقاط الحكم من أصله، كلبس الخف لإسقاط غسل القدمين في الوضوء.
الرابع: تحيّل في أعمال ليست مشتملة على معانٍ عظيمة مقصودة للشارع. وفي التحيّل بها تحقيق لمماثل مقصد الشارع من تلك الأعمال. وهذا كتحيّل من صدرت منه يمين لا يتعلق بها حق الغير، فإنّ البر باليمين في حقّه هو الحكم الشرعي. والمقصد المشتمل عليه البر هو تعظيم اسم الله تعالى الذي جعله شاهداً عليه ليعمل ذلك العمل. فإن ثقل عليه البرّ فتحيل للتخلص من يمينه بوجه يشبه البر، فقد حصل مقصود الشارع من تهيّب اسم الله تعالى.
الخامس: تحيل لا ينافي مقصد الشرع، أو هو يُعين على تحصيل مقصده، ولكن فيه إضاعة حق آخر أو مفسدة أخرى، مثل: التحيل على تطويل عدة المطلقة حين كان الطلاق لا نهاية له في صدر الإسلام، حيث نزلت آية: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ‌ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: 231]، فجعل صورة الفعل المشروع استهزاء بالشريعة؛ لما قصد به إضرار الغير، ونسخ بذلك عدد الطلاق؛ فصار لا يتجاوز الثلاث. هذه هي أشهر أقسم الحيل في الفقه الإسلامي.

(1) إعلام الموقعين: لابن القيم: 5/189.
(2) إعلام الموقعين: لابن القيم: 5/301 وما بعدها.
(3) مقاصد الشريعة: للطاهر ابن عاشور: 2/323، 324.

Comments are disabled.