الشركات متعددة الجنسيات ومفاسد السيطرة على الاقتصاد العالمي الآثار السلبية على اقتصاد الدول النامية (4/4)

بقلم الدكتور/ عبد الناصر حمدان بيومي

تناولنا في المقال السابق جزءًا من الآثار السلبية للشركات متعددة الجنسيات على اقتصادات الدول النامية، ونستكمل هذه الآثار الاقتصادية السلبية في هذا المقال.

رابعًا: استغلال العمال وتدني الأجور:

يلاحظ أن الميزة التي تقدمها هذه الشركات للدول النامية، وهي تشغيل العمالة، تتعلق بفئة لا تعاني من البطالة؛ لكونها عمالة ماهرة ومدربة ومؤهلة. كما أن الشركات متعددة الجنسيات تستفيد من تدني الأجور في الدول النامية، وقد ترتكب ممارسات غير أخلاقية تتعلق بحقوق العمالة؛ كالعدل والمساواة واختيار العمل وأجر المثل…
فمثلاً: قامت شركة نستله باستغلال العمال في مزارع الكاكاو في ساحل العاج، من حيث ساعات العمل الطويلة والظروف السيئة، وباعتهم كالعبد، ولم تكتف بذلك إذ كشفت دراسات اليونيسيف عام 2002م عن شحن وتشغيل (200) ألف طفل في مزارع الكاكاو تم شحنهم من بلدان مثل مالي وبوركينا فاسو إلى ساحل العاج، وأجبرتهم الشركات على العمل تحت ظروف خطرة. (1)
كما أن أغلب الصناعات التي تقوم بها فروع تلك الشركات متعددة الجنسيات في الدول النامية، إمَّا صناعات ثانوية بسيطة أو صناعات تجميعية، وبالتالي فإن الفائدة الحقيقية التي تعود على الدول النامية من هذه الصناعات هي فائدة ضئيلة نسبيًّا؛ لأنها لا تمثل أكثر من مجرد صناعات تجميعية هدفها الأساسي ليس التكامل مع الأنشطة والصناعات الأخرى داخل الاقتصاد القومي، وإنما هدفها الأساسي هو التكامل مع فروع الشركة الأم.

خامسًا: صناعة الأزمات المالية والتأثير على الاستثمار المحلي:

فقد أدى ازدياد نفوذ الشركات متعددة الجنسيات إلى انفجار عدة أزمات مرتبطة بأداء هذه الشركات؛ كأزمة الطاقة وأسعار البترول وما تبعها من ارتفاع أسعار النقل وأزمة التلوث البيئي، والأزمة المالية العالمية عام 2008م التي بدأت بأزمة الرهن العقاري الأمريكي الضالع فيها البنوك والمؤسسات المالية الكبرى العالمية. (2)
كما قامت هذه الشركات من خلال المنظمات الدولية كصندوق النقد الدولي بالضغط على الدول النامية لخصخصة مشروعات القطاع العام الناجحة، وإحالة العاملين للتقاعد المبكر. مما أضعف اقتصاد هذه الدول، وقضى على جانب مجتمعي مهم كانت تقوم به هذه المشروعات.
وكان للشركات متعددة الجنسيات العديد من الآثار السلبية على الاستثمار المحلي؛ الذي حصرته في الصناعات الاستخراجية وتصدير المواد الأولية للدول الصناعية…

سادسًا: الإسهام في زيادة الفقر والمرض:

فقد كان للشركات متعددة الجنسيات دور كبير في استنزاف موارد البلاد النامية وإفقار شعوبها، على الرغم من غناها بالموارد الاقتصادية والمواد الخام، مما أدى إلى ازدياد الفقر في البلدان النامية.
ذكر “جون ميدلي” الذي كان موظفًا في عدد من الشركات متعددة الجنسيات على مدى نصف قرن، ثم تحول إلى صحفي اقتصادي، ومن خلال زيارته لأكثر من خمسين دولة نامية، أن هذه الشركات العملاقة أثرت بصورة كبيرة في إفقار الدول النامية، وأكد أن مليارين من الناس لا يحصلون على الأدوية الأساسية للعلاج، كما تحصد الملاريا أرواح مليون شخص كل عام، وتموت نصف حالات الإصابة بالسرطان، وتتزايد حالات الإصابة بالربو (50%) كل عشر سنوات. (3)
وإذا نظرنا إلى المكاسب المهولة التي حققتها الشركات متعددة الجنسيات من استغلال موارد الدول النامية، فإننا سنصل إلى قناعة واضحة بأنه كان بإمكان هذه الشركات القضاء على الأمراض المختلفة، والإسهام في علاج هذه الفئة من الناس، لو خصصت الشركات جانبًا يسيرًا من أرباحها للرعاية الاجتماعية، وخصوصًا أن لهذه الشركات استثمارات في مجال صناعة الأدوية، كما أن هذه العمالة هي التي تعتمد عليها هذه الشركات في فروعها التي تقيمها بالدول النامية.
ومن أبلغ الأمثلة في هذا الإطار جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث تحتوي “مقاطعة كاتانغا” الواقعة في جنوبها على (34%) من الاحتياطي العالمي لمعدن الكوبلت، و(10%) من النحاس، وللفوز بجزء من هذا الاحتياطي الهام استثمرت “شركة غلينكور” السويسرية جزءًا من رأسمالها في شركات مثل: “شركة كاموتوكوبر”، و”شركة موتاندا ماينينغ”، اللتان تقومان باستغلال حوالي عشرة مناجم، وقد أدى استخراج هذه المعادن من “شركة غلينكور” أن أصبحت أكبر منتج لمادتي الكوبالت والنحاس في جميع أنحاء القارة الإفريقية، لكن هذه الثروة الطائلة لا تعود على السكان المحليين بكبير فائدة، حيث يعيش (70%) من السكان في فقر مدقع، ولا يستطيع (80%) منهم الحصول على الماء الصالح للشرب، كما وجهت جهات سويسرية غير حكومية اتهامات لفروع الشركة بارتكاب جرائم بحق السكان المحليين؛ كانتهاك حقوق الإنسان وحقوق البيئة، وتشغيل الأطفال، والتهرب الضريبي، وتلويث مجاري المياه بمواد سامة. (4)
لقد كان بإمكان الشركات متعددة الجنسيات القضاء على الفقر والبطالة والمرض والجوع، وتوفير حياة آدمية صحية، وعدم استنزاف الموارد الطبيعية للدول النامية، مع الحفاظ على البيئة وعدم تلويثها، وذلك من خلال تبني بعض أهداف التنمية المستدامة التي أعلنتها الأمم المتحدة ضمن أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر المخطط تحقيقها قبل عام 2030م؛ وكذلك إعطاء السكان المحليين والعاملين بها حقوقهم كاملة من رعاية صحية واجتماعية وأسرية وغيرها.
بقيت الإشارة إلى: الآثار الاجتماعية السلبية للشركات متعددة الجنسيات؛ كترسيخ القيم الاستهلاكية، وزيادة الميل للاستهلاك لدى أفراد المجتمع، وتكريس الفجوة بين الشرائح الاجتماعية من خلال خلق فئة تعيش على حساب المجتمع، ولها مواصفات غير إنتاجية؛ مما يؤدي لعدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي، وخلق أزمات داخلية في الدول النامية.
هذه هي الآثار السلبية للشركات متعددة الجنسيات على اقتصادات الدول النامية، فهل تلتفت هذه الدول إلى خطورة هذه الشركات على كل أوجه الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وانعكاساتها على أهداف التنمية المحلية؟
وهل تتخذ الدول النامية خطوات فاعلة نحو الاعتماد على القدرات المحلية في تمويل التنمية الاقتصادية الشاملة، وعدم الاعتماد على الشركات متعددة الجنسيات بصورة أساسية في تحقيق التنمية الاقتصادية؟
وهل تقوم الدول النامية بربط الإعفاءات الضريبية وحوافز الاستثمار الممنوحة للشركات متعددة الجنسيات، بالأولويات الاقتصادية والقطاعات المراد تنميتها بهذه الدول؟
وهل تشترط الدول النامية على الشركات متعددة الجنسيات الالتزام بأهداف التنمية المستدامة السبعة عشر التي حددتها الأمم المتحدة، وعدم مخالفتها في كل ما تقوم به من مشروعات؟ هذا ما نرجوه ونتمناه.

(1) انظر: المعضلات الأخلاقية وأثرها في تراجع أهداف عمليات الشركات متعددة الجنسيات، د. غسان عيسى العمري، بحث مقدم للمشاركة في المؤتمر العلمي الدولي السابع بعنوان: تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية على منظمات الأعمال، التحديات-الفرص-الآفاق من 10-11/11/2009م.
(2) انظر: الشركات وكوارث العالم المدمرة، لأسامة غيث، الأهرام-القاهرة عدد (4454) 2008م: 4.
(3) انظر: نهب الفقراء، لجون ميدلي، ترجمة: بدر الرفاعي، ط1 المركز القومي للترجمة-القاهرة 2011م: 202.
(4) انظر: شركة غلينكور…متعددة الجنسية، لستيفانيا سومرماتر، ط مركز كوارت-سويسرا 2012م: 3، الشركات متعددة الجنسيات والاستعمار الجديد، لعماري حسينة-رسالة ماجستير-كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية-جامعة محمد خيضر-بسكرة 2015م: 90-91.

Comments are disabled.