القمار ومضاره الاقتصادية (2/2): أسباب إدمانه، وصفات المدمن، والموقف القانوني، وتقرير الحكومة البريطانية

الدكتور/ عبد الناصر حمدان بيومي

تناولنا في المقال السابق مفهوم القمار وصوره وأنواعه المتعددة، وحكمه الشرعي، ومقاصد تحريمه، وحجم ومضار القمار في العالم، ونستكمل موضوعنا في هذا المقال.

أولاً: أسباب الإدمان على القمار:

تدفع العديد من العوامل بعض أفراد المجتمع لإدمان القمار (Gambling)، وأهمها:

  1. المعاناة من التفكك الأسري.
  2. تحمل الكثير من الضغوط الأسرية.
  3. الرغبة في الهروب من الواقع.
  4. مصادقة رفقاء السوء.
  5. الرغبة في تحصيل المال بطريقة سهلة وسريعة.
  6. الترفيه والتسلية وقضاء وقت الفراغ.

ثانيًا: صفات مدمن القمار:

يتسم مدمن القمار بالكثير من الصفات التي يتم تشخيصه من خلالها ووضع العلاج المناسب له، ومن أهمها:

  1. عدم القدرة على التوقف عن لعب القمار.
  2. التفكير طوال الوقت في القمار.
  3. الشغف والحب الشديد للمقامرة.
  4. سرقة الأموال من أجل لعب القمار.
  5. تناول المخدرات أو المشروبات الكحولية.
  6. البقاء خارج المنزل حتى ساعات متأخرة من الليل. (1)

ثالثًا: الموقف القانوني للمقامرين:

تنقسم دول العالم في موقفها من القمار لثلاثة أنواع:
النوع الأول: دول تبيح القمار بكافة صوره.
النوع الثاني: دول تبيح بعض الصور.
النوع الثالث: دول تمنعه تمامًا.
لكن الجميع يتفق على: أن لعب القمار يكون لما فوق سن البلوغ، وينبغي أن يتم في أماكن محددة حاصلة على ترخيص، وتقوم الدول بوضع ضريبة ثقيلة على أماكن القمار والميسر ونحوها.
ومن دول العالم التي تحظر لعب القمار بمختلف أشكاله؛ لأسباب أخلاقية أو دينية أو اجتماعية أو حتى اقتصادية:
قيرغيزستان، واليابان فيما عدا المراهنات على سباقات الخيل وبعض أنواع سباقات السيارات. وكذلك روسيا.
والمملكة العربية السعودية. كما أن دولاً متعددة تعاقب على لعب القمار بكافة أشكاله وهنالك بعض الدول تعاقب بشدة مرتادي ومستخدمي القمار كالمملكة العربية السعودية التي تعتبر القمار مخالفًا، وتعاقب عليه بالسجن والتعزير، وذلك وفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية.
ونبين في الجدول التالي أكبر دول العالم في القمار، وحجم الخسائر بالدولار لكل شخص بالغ:(2)

المرتبة البلد خسائر الألعاب لكل شخص بالغ
1 أستراليا $ 1،288.00
2 سنغافورة $ 1،174.00
3 أيرلندا $ 588.00
4 كندا $ 568.00
5 فنلندا $ 553.00
6 إيطاليا $ 517.00
7 هونج كونج $ 503.00
8 النرويج $ 448.00
9 اليونان $ 420.00
10 إسبانيا $ 418.00

رابعًا: التقرير الرسمي للحكومة البريطانية عن القمار:

إذا نظرنا إلى صناعة القمار في الغرب: فسنجد أن الاقتصاد الغربي يسعى لتحقيق أقصى منفعة، ودون أي معيار إلا التوافق مع القانون، ولو كانت المعاملة تؤدي إلى تدمير المجتمع، والقضاء على الإنسان الذي يمثل البنية الأساسية للمجتمع.
جاء في تقرير رسمي صادر عن الحكومة البريطانية في 11 من شهر يناير 2023م، عن الأضرار المتعلقة بالمقامرة: أن المملكة المتحدة تمتلك واحدة من أكبر أسواق المقامرة في العالم، حيث حققت أرباحًا بلغت 14.2 مليار جنيه إسترليني في عام 2020م. وأظهرت الأبحاث أن الأضرار المرتبطة بالمقامرة واسعة النطاق. وتشمل ليس فقط الأضرار التي لحقت المقامر الفردي، ولكن أسرهم وشركائهم المقربين والمجتمع الأوسع. وفي عام 2018م، قام 24.5 مليون شخص في إنجلترا بالمقامرة. (3)
كما ورد في بحث عن معدل نمو صناعة المقامرة والمراهنة العالمية بحلول عام 2026م، أن حجم سوق الـمُقامرة والمراهنة أون لاين في عام 2016م وصل إلى 44 مليار دولار، أما في عام 2017م فقد وصل إلى 46.9 مليار دولار، ووصلت هذه الصناعة إلى 50 مليار دولار خلال عام 2019م. أي أنها حققت مُعدَّل نمو بقيمة 3 مليار دولار خلال السنوات السابقة. ومن المتوقع أن يصل حجم هذه الصناعة إلى أكثر من 100 مليار دولار بحلول عام 2026م بمُعدَّل نمو سنوي بنسبة 10% بداية من 2020م وحتى 2026م.
وأما أنواع الألعاب التي يُراهِن عليها اللاعبون: فيُمكننا أن نُقسم سوق الـمُقامرة إلى العاب ماكينات القمار، كينو، كروت الخدش، ألعاب الروليت، بلاك جاك، بوكر، الباكاراه، اليانصيب والمراهنات الرياضية أون لاين. وقد نالت المراهنات الرياضية الجزء الأكبر من سوق الـمُقامرة عبر الإنترنت خلال عام 2019م، ومن المتوقع أن تُسجل نموًا ملحوظًا بمُعدَّل 11% خلال السنوات القادمة.
وأما عن الدول الأكثر اهتمامًا بالـمُقامرة وبالمراهنة أون لاين: فقد هيمنت دول أوروبا الغربية على سوق الـمُقامرة والـمُراهنة أون لاين بنسبة تصل إلى 52% من صناعة ألعاب الكازينو والمراهنات الرياضية على الإنترنت خلال عام 2019م. من الـمُتوقع خلال السنوات الـمُقبلة أن يزداد إقبال الجماهير الأوروبية على ألعاب الكازينو أون لاين والمراهنات الرياضية، وأن تنمو هذه الصناعة في قارة آسيا والمحيط الهادئ، وخاصة في منطقتيّ ماكاو وهونج كونج؛ بسبب زيادة انتشار ثقابة المـُقامرة، وتنامي استخدام الإنترنت، وزيادة عدد السكان، وتسارع مُعدلات النمو الاقتصادي، الذي سيُدر أموالًا كثيرة يُمكن للاعبين تخصيصها في الأنشطة الترفيهية، ومنها الـمُقامرة والمراهنة أون لاين. (4)
وهذه بطبيعة الحال مشروعات كبيرة تحتاج إلى تمويل ودعم وقوانين، وهذا ما نجده متوفرًا في الاقتصاد الغربي، الذي لا يعبأ بمضار القمار إجمالاً، وما يترتب عليه من تدمير للأسر والمجتمعات؛ لأنه اقتصاد يقوم على أساس تحقيق أكبر لَذَّةٍ، وأقصى إشباع، وأعلى ربح. وأما في الاقتصاد الإسلامي فلا يمكن ولا يجوز ولا يصح لأي مؤسسة أن تقوم بتمويل مشروع يقوم على ترويج المحرمات؛ كالقمار والميسر وألعاب الحظ ونحوها؛ لأنه اقتصاد لا يُقِرُّ أن تُدَاس الفضائل في سوق المنفعة العاجلة، ويحرم تمويل المحرمات.
بقيت الإشارة إلى: أن بعض الدول العربية والإسلامية يفشو فيها القمار، بصورة سرية أو علنية، لكن الإسلام حرم القمار والميسر بكل صوره وأشكاله، ولا يقدم على ذلك إلا إنسان على ضلال وانحراف عن هدي الإسلام.

خامسًا: القمار من منظور الاقتصاد الإسلامي:

أقام الإسلام الاقتصاد على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات: فقد مزج الإسلام بين الأخلاق والاقتصاد، فلا اقتصاد بلا أخلاق، كما أن وجود الأخلاق في الميدان الاقتصادي من أهم عناصر نجاح العملية الاقتصادية في كل مستوياتها. ولهذا أقام الإسلام جميع أنواع التعاملات والأنشطة الاقتصادية على العدل وعدم الظلم، والصدق وعدم الكذب، والإفصاح وعدم الكتمان أو الغش، وحرم الاحتكار والربا والقمار والديون والغرر وأكل أموال الناس بالباطل، وهذا كفيل بتجنب كل مفاسد ومضار القمار السابق ذكرها في المقال السابق.
ومعلوم أن الفكر الاقتصادي الرأسمالي يقوم على مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، وكذلك فصل الدين والأخلاق عن المعاملات. كما أن الكذب والفساد والطمع والجشع والاحتيال والمعلومات المضللة والمعاملات الوهمية، ونحوها من الممارسات اللاأخلاقية من جانب المتعاملين في المجال المالي، والتي استشرت في المؤسسات والأسواق المالية العالمية، لا مانع منها في الاقتصاد الوضعي، ما دامت تحقق الكسب المادي والربح المستهدف.
والعلاج في تجنب التعامل بهذه المحرّمات، وإعادة مزج الاقتصاد بمكارم الأخلاق ومحاسن العادات وكريم الخصال، وتجنب تمويل كل الأنشطة التي تلحق الضرر بالنفس والإضرار بالآخرين، فلا يمكن أن يسهم إنسان سليم الفطرة، أو مؤسسة مالية تراعي حقوق أفراد المجتمع في تمويل مجالات القمار، التي تضر بالفرد والأسرة والمجتمع… أو تمويل تجارة المخدرات والدعارة ومصانع الخمور والمسكرات ونحوها.
هذا جزء من الآثار المدمرة للقمار في الاقتصاد الغربي، ومع هذا تقدم المؤسسات المالية في الغرب التمويل الكامل لأنشطة القمار؛ من أجل تحقيق مكاسب مادية، ولا علاقة لها بالمضار والمفاسد المترتبة عليها في المجتمع؛ لأن القانون عند بعضهم لا يمنع من ذلك.
وأما حرمة القمار، وكل ما يُفضي إليه، فلا يحتاج منا إلى بيان؛ مما يكشف عن أن تشريعات الإسلام تهدف إلى تحقيق المصلحة العامة والخاصة، ومنع كل ما يؤدي إلى الإضرار بالفرد والمجتمع، وليس الهدف النظرة الربحية الضيقة فقط، وإنما مقصود التكاليف والتشريعات في الإسلام: تحقيق مصلحة الخلق في الدارين، من خلال جلب المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها، وتحريم كل ما من شأنه أن يُلحق الضرر بالفرد والمجتمع؛ ليعيش الناس حياة آمنة مطمئنة.

(1) راجع موقع: https://www.hopeeg.com/services/other-addictions/gambling-addiction..
(2) راجع موقع: https://ar.history-hub.com/albldan-alty-tkamr-akthr..
(3) راجع موقع الحكومة البريطانية: https://www.gov.uk/government/publications/gambling.
(4) راجع موقع: https://www.7alalcasino.com/encyclopedia.

Comments are disabled.