المفاسد الاقتصادية للربا

إعداد الدكتور: محـــمــد عبد الحليم هـــيكـل
مراجعة الأستاذ الدكتور: فياض عبد المنعم حسانين

﴿‌وَأَحَلَّ ‌اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]
الربا في اللغة: هو الزيادة على الشيء، يقال: ربا المال زاد، وربا الشجر نما وزاد، وأربى على الخمسة، أي زاد عليها، فأصل الربا الزيادة، إما في نفس الشيء، وإما مقابله کدرهم بدرهمين وهو في الشرع الزيادة على أصل المال من غير عقد تبايع (1).
والربا اصطلاحًا:” فضل مخصوص مستحق لأحد المتعاقدين خال عما يقابله من العوض” (2). وهو على نوعين:
الأول: ربا الديون: وهو الزيادة التي يفرضها أحد المتعاقدين على الآخر مقابل الأجل. ومن صوره (3):

  1. القرض بزيادة نظير الأجل: وهو ما وصفه الجصاص بقوله:” والربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرض ‌على ‌ما ‌يتراضون به (4).
  2. الفائدة الجزائية: وهي الفائدة أو الربا المترتب على تأخير دفع الدين في أجله، ووصفه الطبري بقوله:” ‌يبيع ‌الرجل ‌البيع ‌إلى ‌أجل مسمى، فإذا حل الأجل ولم يكن عند صاحبه قضاء، زاده وأخر عنه ” (5).
  3. الفائدة المركبة أو الربا المركب: ووصفه الألوسي بقوله:” كان ‌الرجل ‌يربي ‌إلى ‌أجل فإذا حل قال للمدين: زدني في المال حتى أزيدك بالأجل فيفعل وهكذا عند كل أجل فيستغرق بالشيء الضعيف ماله بالكلية ” (6).
  4. دفعات الفائدة الدورية على القرض: الذي يكون في شكل سند حكومي أو خاص ذو دفعات دورية، وإعادة جدولتها في حال التعثر، فيقرضون المال على أن يأخذوا كل شهر قدر معينًا، ويكون رأس المال باقيًا، ثم إذا حل الدين طالبوا المديون برأس المال، فإذا تعذر عليه الأداء، زادوا في الحق والأجل” (7).

الثاني: ربا البيوع: وينقسم إلى ربا الفضل: وهو الزيادة في أحد العوضين المتجانسين في نوع من الأموال والسلع التي يشترط تساويهما في المقدار. وربا النسيئة: وهو الزيادة المشروطة التي يأخذها الدائن من المدين نظير التأجيل (8).
لقد حرمت الشرائع السماوية الربا تحريماً قاطعاً واضحًا. فاليهودية والنصرانية كلتاهما حرمتا الربا وأكله، ولاتزال بقية من هذا التحريم في التوراة التي بين أيدينا اليوم، ففي سفر التثنية بالإصحاح الثالث والعشرين لا تقرض أخاك الإسرائيلي ربا. ربا فضة أو ربا طعام أو ربا شيء مما يقرض بربا. وكذلك في النصرانية، فقد أجمعت الكنائس على تحريمه، بل لما جاءت حركة الإصلاح في المسيحية لم يكتف زعيمها مارتن لوثر بتحريم الفائدة، قلت أو کثرت، بل حرم كل العقود التجارية التي تؤدي إلى الربا حتى بثمن مؤجل إذا كان أكثر من الثمن العاجل (9).
وعندما جاء الإسلام حذر أشد التحذير من التعامل بنظام الربا؛ فقد جعل الله تعالى عقوبته معجلة في الدنيا، فضلاً عن الآخرة قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) ﴾ [البقرة: 278-279]. قال ابن كثير:” وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، لمن استمر على تعاطي الربا بعد الإنذار، قال ابن جريج: قال ابن عباس: ﴿ فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ﴾ أي: استيقنوا بحرب من الله ورسوله (10).
ثم أكدت السنة على تحريم القرآن للربا حتى أصبح أشد ما حرمته في باب المعاملات المالية؛ بل جعلته في طليعة المحرمات ومن أكبر الكبائر وعظيم الموبقات؛ ففي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ” (11). فذكرهن، وعد منهن الربا.
مفاسد الربا الاقتصادية: قد يعتقد الإنسان للوهلة الأولى أن الربا يقدم مساعدة للمحتاج لسد حاجته وديونه، ولكن عند المراقبة والتحليل لما يحدث في أرض الواقع نكتشف أضرار الربا الجسيمة على جميع المستويات. وما نحن بصدده المفاسد الاقتصادية ومنها: –
المرابون يستثمرون المال فيما حرمه الله تعالى: دائمًا المرابي يبحث عن الربح الأكثر وعمن يوفر له الربح الوفير دونما تعب أو دونما تفكير في نوعية المشاريع التي تدر عليه المال، فهو منذ البداية لا يخاف الله ولا يضع المنهج الديني شريكًا له في حياته، فهو لا يتقي الله ولا يبحث عن مشروعات مفيدة للمجتمع ليستثمر ماله فيها، بل هو يوظف ماله في المشروعات الأكثر إدرارًا للربح، فتجده مثلًا يستثمر أمواله في المشاريع الفاسدة أخلاقيًا كنوادي القمار والعهر والفسق، لأنها قد تعطي فوائد أكثر من المشروعات الصناعية والتجارية، وهذا ما يحدث فعلًا في المجتمعات الغربية (12)، إلا إذا اعتقد حصول نسبة ربح أكثر من تلك المشروعات من نسبة الربا، وقد لا يرغب مع ذلك في تلك المشروعات، حيث إنها تتطلب بذل الجهد واستعداداً لتحمل الخسارة، في حين يتمكن فيه صاحب المال من الحصول على الربا بدون مشقة ومخاطرة.
الربا سبب إضاعة الأموال: فهو سبب للأزمات الاقتصادية التي تؤدي إلى ضياع المال وإهلاكه، وما أزمة 2008م التي ضربت النظام الرأسمالي القائم على نظام الفائدة عنا ببعيد، ثم مؤخرًا إفلاس بنك سيليكون فالي بأمريكا، ولن تكون هذه النهاية؛ لأنه الوعد من الله ورسوله بالحرب على المتعاملين بالربا، قال تعالى: ﴿فَإِن لَم تَفعَلوا فَأذَنوا بِحَربٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسولِهِ﴾ وهذه الحرب لن تضع أوزارها إلا بالتوبة والانتهاء عن أكل الربا ﴿وَإِن تُبتُم فَلَكُم رُءوسُ أَموالِكُم لا تَظلِمونَ وَلا تُظلَمونَ﴾.
الربا سبب في انتشار البطالة: فأصحاب الأموال يفضلون الحصول على الأموال بالربا، ويفضلون ذلك أكثر من استثمارها في إقامة مشروعات صناعية أو زراعية أو تجارية، مما يقلل من فرص العمل، فتنتشر البطالة، وهذا ما يحدث في المجتمعات التي يسودها التعامل الربوي، ولذا نجد الدول الغربية أضحت تعاني من مشكلة البطالة رغم تقدمها العلمي والتقني والصناعي. ويؤثر إعراض الناس عن استثمار أموالهم في المشروعات المختلفة على نمو رأس مال المجتمع (13).
الربا يعطل طاقات العمل: فالربا يمنع الناس من الاشتغال بالمكاسب الصحيحة كأنواع الحرف والصناعات، لأن رب المال إذا تمكن بعقد الربا من إنماء ماله خف عليه الكسب وسهلت لديه أسباب العيش، فيألف الكسل، ويمقت العمل، ويتجه همه إلى أخذ أموال الناس بالباطل (14).
الربا سبب في سوء توزيع الثروات: تتركز عملية الإقراض بفائدة “الإقراض الربوي” على الأشخاص القادرين على تقديم ضمانات تسديد القروض وفوائدها، وهو ما يؤدي إلى تركز ثروة البلاد في أيدي عدد قليل من الأشخاص، وذلك لأن جميع مال الأرض صائر إلى عدد قليل جداً من المرابين؛ ذلك لأن المرابي يربح دائماً في كل عملية، بينما المدين معرض للربح والخسارة، ومن ثم فإن المال كله في النهاية لابد بالحساب الرياضي أن يصير إلى الذي يربح دائماً. وأيضًا من مظاهر سوء توزيع الثروة تسخير العمل لحساب رأس المال، حيث يقوم الإنتاج على عنصرين العمل والمال والعمل هو الأساس الأول؛ لأنه هو الذي يوجد المال في الأصل، وموجب ذلك أن يتحمل كل من العنصرين نصيبه من الربح والخسارة، فإذا أشركنا صاحب المال في الربح، وجب أن يشترك في الخسارة النازلة، غير أن الفائدة تهدم هذا النظام الطبيعي، وتسخر العمل لحساب رأس المال، لأن المنتج وهو المدين دائماً، يضمن للمرابي رأس ماله، ونصيبه من الربح، دون أن يشارك هذا الأخير في الخسارة النّازلة (15)، وهو خلاف مبدأ شمول الثروة كل أفراد المجتمع، المبدأ الذي قرره قوله تعالى: ﴿ كَيْ لَا يَكُونَ ‌دُولَةً ‌بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: 7].
الربا سبب في تعطيل أموال المسلمين: نتيجة لوضعها في أيدي أعدائهم، وهو من أخطر ما أصيب به المسلمون، حيث أودعوا أموالهم في البنوك الربوية في دول الغرب، فجرد المسلمون من أموالهم والاستفادة منها، فاستفادوا منها وطوروا دولهم وعاشوا الرفاهية الاقتصادية وعانى غيرهم الفقر والعوز خاصة مع تعطيل فريضة الزكاة والاعتماد على العوائد الربوية من تلك الودائع البنكية في بنوك الدول الأجنبية (16).
الربا سبب في الركود والكساد: فعندما ترتفع أثمان الأشياء ارتفاعًا كبيرًا فإن الناس يقل إقبالهم على السلع والخدمات المرتفعة الأثمان إما لعدم قدرتهم على دفع أثمانها، أو لأنها ترهق ميزانياتهم، وإذا امتنع الناس عن الشراء كسدت البضائع في المخازن والأسواق، وعندها تقوم المصانع بتقليل إنتاجها لخوف الخسائر، وقد تتوقف عنه والاستغناء عن جزء كبير من موظفيها لتخفيض نفقاتها، أو قد تستغني عن جميع عمالها وموظفيها إذا توقف الإنتاج كما حدث للكثير من شركات السيارات في الولايات المتحدة عام ٢٠٠٨م، وإذا علم المرابون بما يصيب السوق من زعزعة فإنهم يقبضون أيديهم، ويسحبون أموالهم فورًا من البنوك والشركات، فعند ذلك تكون الهزات الاقتصادية (17).
الربا سبب في غلاء الأسعار: أصبح غلاء الأسعار شكوى العالم، وسببه يرجع إلى حد كبير إلى النظام الربوي السائد اليوم، لأن صاحب المال لا يرضى إذا استثمر ماله في صناعة أو زراعة أو شراء سلعة، أن يبيع سلعته أو الشيء الذي أنتجه إلا بربح نسبة الربا، وذلك لأنه يفكر بأنه استثمر المال وبذل الجهد واستعد لتحمل الخسارة فلا بد أن تكون نسبة الربح أكثر من نسبة الربا، وكلما زادت نسبة الربا غلت الأسعار أكثر منها بكثير، هذا إذا كان المنتج أو التاجر صاحب مال. وأما إذا كان المنتج أو التاجر ممن يقترض بالربا فرفعه أسعار منتجاته وسلعته أمر بدهي، حيث سيضيف إلى نفقاته ما يدفعه ربا. ولا يقف الأمر عند غلاء الأسعار، بل يحدث اضطراب في حياة عامة الناس حينما لا يتمكنون من شراء حاجاتهم الأساسية بسبب غلاء الأسعار (18).
الربا سبب في التبعية الاقتصادي: لا يخفى على أي أحد – فضلاً عن المتخصصين – دور الربا في إذلال الشعوب، وتوطين الاستعمار والتبعية العمياء، فكم أذل الاقتراض – من البنوك الدولية – بالربا دولاً، وأوقعها في ذل الاستعمار والتبعية الاقتصادية، فمن صور الربا في الواقع المعاصر استدانة دولة ما بالربا من دولة أخرى، وهذا لا يقع خطره على فرد، وإنما يقع على الدولة بأكملها، وأكثر ما يكون هذا الدين بضائع ومصنوعات ومتطلبات ضرورية تستوردها الدولة الضعيفة بربح مركب، وهي -عادة- لا تستطيع السداد في وقت قريب، فيضم الربا المستحق إلى المبالغ الأصلية، ويقدر له ربح آخر، وبذلك تتضخم الديون وتتكاثر، وقد تطلب الدولة الدائنة “بحكم القوانين الدولية” أن تستولي على ما تنتجه الدولة المدينة، فتضعها في مذلة الفقر والفاقة، إلى زمن طويل، وهو لون من ألوان الاستعمار والتبعية الاقتصادية لتلك الدول المقرضة (19).

(1) النهاية في غريب الحديث والأثر، لمحمد بن عبد الكريم بن الأثير، ت: 206هـ، ت: طاهر أحمد الزاوي، ومحمود محمد الطناحي، المكتبة العلمية، بيروت،1399هـ/1979م: 2/191، المصباح المنير، لأحمد بن محمد بن علي الفيومي، المكتبة العلمية، بيروت: 1/217، لسان العرب، لمحمد بن مكرم بن منظور المصري الإفريقي، ط3 دار صادر، بيروت، 1414هـ/ 1993م: 14/305.
(2) البناية شرح الهداية، لبدر الدين العيني الحنفي، ت: 855هـ، ت: أيمن صالح شعبان، ط1 دار الكتب العلمية، بيروت 1420هـ/ 1999م: 8/260.
(3) العلة الاقتصادية لتحريم ربا النسيئة والفضل، لعبد الرحيم عبد الحميد الساعاتي: مجلة جامعة الملك عبد العزيز، جدة، مج 25، ع 2، 1433هـ/2012م: 44.
(4) أحكام القرآن، لأحمد بن علي أبو بكر الرازي الجصاص، ت ٣٧٠هـ، ت: عبد السلام محمد علي شاهين، ط ا دار الكتب العلمية بيروت، ١٤١٥هـ/١٩٩٤م: 1/563.
(5) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ت: ٣١٠هـ، د. ط، دار التربية والتراث، مكة المكرمة: 6/8.
(6) روح المعاني، لشهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي، ت ١٢٧٠هـ، ت: علي عبد الباري عطية، ط 1 دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٥هـ/1994م: 2/270.
(7) العلة الاقتصادية لتحريم ربا النسيئة والفضل، لعبد الرحيم عبد الحميد الساعاتي: 45.
(8) الموسوعة الفقهية الكويتية: 22/ 58،57.
(9) بحوث في الربا، لمحمد أبو زهرة، دار الفكر العربي: 4،3.
(10) تفسير القرآن العظيم، لأبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير، ت: ٧٧٤ هـ، ت: سامي بن محمد السلامة، ط2 دار طيبة 1420هـ/ 1999م: 1/ 716.
(11) أخرجه البخاري: 4/10 (2766) كتاب الوصايا، ‌‌باب قول الله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا}، ومسلم: 1/92 (89) كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها.
(12) آفة العصر الربا، لآندي حجازي، مجلة الوعي الإسلامي، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت، سبتمبر/ ذو القعدة، س 53، ع 615، 1437هـ/2016م: 32.
(13) آفة العصر الربا، 31.
(14) تفسير المراغي، لأحمد بن مصطفى المراغي، ت: 1371هـ، ط1 مطبعة مصطفى البابى الحلبي، مصر 1365هـ/ 1945م: 3/58.
(15) الربا وفائدة رأس المال بين الشريعة والنظم الوضعية، لفتحي السيد لاشين، دار التوزيع الإسلامية، القاهرة، 1411هـ/1990م: 81،80.
(16) آفة العصر الربا: 32.
(17) المرجع السابق: 32.
(18) التدابير الواقية من الربا في الإسلام، لفضل إلهي، ط1 إدارة ترجمان الإسلام، باكستان، 1406هـ/ 1985م: 85،84.
(19) النتائج التنموية لحظر الربا ” رؤية فقهية اقتصادية معاصرة في ظل الاقتصاد الحقيقي”، لعلي سيد إسماعيل، دار التعليم الجامعي، الإسكندرية: 51.

Comments are disabled.