الْمَنْطِقُ الاقتصادي الإِسْلَامِيّ لِتَحْرِيمِ الرِّبَا:
3. الآثار السلبية لنظام الفائدة على مستوى النمو

بقلم الأستاذ الدكتور/ عبد الرحمن أحمد يسري

تناولنا في المقال السابق المنطق الاقتصادي الإسلامي لتحريم الربا من خلال: مظاهر فشل نظام الفائدة في تخصيص الموارد المالية، ونكمل في هذا المقال.
زعم المدافعون عن الفائدة أن سياسات التحكُّم في أسعارها يمكن أن تحقق آثارًا اقتصاديّة مواتية للنمو، ومن الناحية الاقتصادية الإسلامية لا نعبأ بهذه المقولة ولا نلقي لها بالاً حتى وإن ثبتت صحتها في بعض حالات؛ لأن الله حرم الربا وما يأتي من الحرام مرفوض، إلا أن الواقع يثبت أن هذه السياسات والزعم بآثارها الإيجابية أمر مبالغ فيه أو غير صحيح بالمرة. ففي العالم النامي- الذي تنتمي إليه معظم الدول الإسلامية- أظهرت التجربة عدم نجاح سياسات خفض أسعار الفائدة وسياسات الائتمان الانتقائية التي قصد بها تشجيع الاستثمار ودفع عجلة التنمية الاقتصادية.
فمثلاً في الحالات التي أصبحت الفائدة الحقيقية منخفضة جدًّا أو سالبة (نتيجة سياسات مصرفية مركزية، أو لعدم السماح بزيادة أسعارها بالرغم من استمرار التضخم)، انخفضت رغبة أصحاب المدَّخرات في إقراض أموالهم للبنوك واتجه هؤلاء إلى الاستثمار في الذهب والعملات الأجنبية والعقارات، ومن الجهة الأخرى فإن نمط التمويل المصرفي بالفائدة لم يتغير كثيرًا، بل تعزَّزت قدرة المشروعات الكبيرة التي تستطيع تقديم الضمانات التي تطلبها البنوك في الاقتراض بالرغم من انخفاض معدلات الأرباح التي تحققها، بينما ظلت المشروعات الأقل قدرة على تقديم مثل هذه الضمانات عاجزة عن التمويل حتى وإن كانت أعلى إنتاجية.
وكان من نتائج هذه السياسة تشجيع الشركات الكبرى على الاستثمار في المخزون Inventories، حيث انخفضت تكلفة الحصول عليه في إطار سياسة الفائدة المنخفضة (النقود الرخيصة Cheap Money). واستمر توجه البنوك عمومًا إلى إقراض العملاء الثقات المعروفين لديها جيدًا، مثل: الشركات كبيرة الحجم، أو المؤسسات الحكوميّة، أو حتى المجموعات الصناعيّة التي تمتلكها. ونجحت شركات القطاع العام الكبرى في عدد من الدول النامية في الحصول على كل ما تريد من التمويل المصرفي لتمويل استثماراتها كثيفة رأس المال، بينما هذه الاستثمارات لم تكن متلائمة مع سياسات زيادة العاملين فيها، والتي ارتبطت بسياسة الدولة، ولا شك في انعكاس هذه التشوُّهات على النمو في نهاية المطاف كما ورد في تقارير التنمية الدولية.
من جهة أخرى اتجهت بعض حكومات الدول النامية إلى اتباع سياسات رفع سعر الفائدة في أوقات التضخم؛ وذلك لتشجيع أصحاب المدخرات على إيداع أموالهم لدى البنوك، ومثل هذه السياسات تقلل السيولة النقدية في الأسواق وتعمل على خفض معدلات التضخم وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، ولقد أدت هذه السياسات خاصة في الظروف التي أصبحت فيها الفائدة الحقيقية مرتفعة إلى زيادة ودائع الأفراد لدى البنوك، ولكنها أدت في الوقت نفسه إلى خفض الاستثمار على المستوى الكلي، حيث ارتفعت أسعار الفائدة في قروض المشروعات(1).
إن نظام الفائدة أو الرِّبَا مليء بالتناقضات، ومحاولات تنظيمه باستخدام ضوابط أسعار الفائدة، بالخفض أو بالزيادة، إما أن تبوء بالفشل وإما أن تزيد من عيوبه.
وإجمالًا للقول: فإن هذا النظام الذي تحرمه الشريعة يؤثر سلبًا في التنمية الاقتصاديّة لدول العالم الإسلاميّ، لأنه لا آلياته ولا سياساته في الواقع العملي تساعد على توزيع الموارد المالية المتاحة وفق اعتبارات الكفاءة والإنتاجية، وفي المقابل فإن النظام الماليّ المتوافق مع الشريعة والقائم على المشاركة في الأرباح والخسائر يساعد على استخدام الموارد المالية على نحو أمثل في إطار المشاركة ، حيث يعطي للمشروعات ذات الإنتاجية الأعلى أولوية في التمويل، ولا يحرم المشروعات الصغيرة والمتوسطة الواعدة من فرصة عادلة في التمويل.
هذا هو المنطق الاقتصادي الإسلامي لتحريم الربا من خلال: الآثار السلبية لنظام الفائدة على مستوى النمو. وأما المنطق الاقتصادي الإسلامي لتحريم الربا من خلال: توزيع الدخل والثروة بين الاقتصاد الإسلامي والاقتصاد الوضعي، فهو موضوع المقال القادم.

(1) في مصر مثلًا، في إطار برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي دعمه صندوق النقد الدولي، تم رفع سعر الفائدة المصرفي على الودائع بالجنيه المصري من 12 أو 13% في بداية التسعينيات إلى 16% (وإلى 18% أو أكثر في صفقات مصرفية خاصة) وذلك لامتصاص السيولة النقدية من الأسواق. وقد نجحت السياسة في جذب مدخرات الأفراد إلى البنوك والحد من التضخم. لكن من الجهة الأخرى عزف الكثير من أصحاب المشروعات الاستثمارية عن القيام بأعمالهم لارتفاع تكلفة التمويل ولجأ الكثير منهم إلى إيداع أموالهم في البنوك للاستفادة بالفائدة المرتفعة.

Comments are disabled.