حوكمة الشركات (Corporate Governance) ودورها في تحقيق الشفافية ومنع الأزمات المالية

الدكتور/ عبد الناصر حمدان بيومي

حوكمة الشركات موضوع كثر الحديث عنه في الساحة الاقتصادية، ويحظى باهتمام كبير في الأسواق المالية، وله دور بارز في تحقيق الشفافية والإفصاح. وتهدف الحوكمة إلى خلق وتطوير بيئة قانونية واقتصادية ومؤسسية تساعد الشركة على النمو والتطور، وتحقيق الأهداف طويلة الأجل لتعظيم قيمة الشركة، والموازنة بين الصلاحيات التي تتمتع بها إدارة الشركة، وحماية حقوق المساهمين وأصحاب المصالح الآخرين.
وترتكز الحوكمة على عنصرين:
أحدهما: الإدارة السليمة.
والآخر: الشفافية. وذلك لتحقيق كفاءة الأداء عن طريق الإدارة الرشيدة، القادرة على اتخاذ القرارات السليمة، وضبط العلاقة بين أطراف الشركة الداخليين والخارجيين، ووضع هيكل لتوجيه ومراقبة إداء الشركة؛ لتحقيق جودة وتميز الأداء، في إطار من الشفافية والعدل والتزام القانون، واختيار الأساليب الفعالة؛ لتحقيق أهداف المؤسسة بأسلوب أخلاقي، وفحص قدرات مجلس الإدارة على وضع سياسات ورسم أهداف للشركة تتفق ومصلحة المساهمين وأصحاب المصالح الآخرين.
فمتى بدأت الحوكمة؟ ومتى نشأت؟ وما أهميتها؟ وما أهدافها؟ وما مبادئها؟ وهل هي فعالة؟ وهل لدينا في الفقه الإسلامي ومؤسسات الاقتصاد الإسلامي شيء مماثل؟

أولاً: مفهوم الحوكمة:

الحوكمة لغة: أصلها من (‌حكم)، وتدور معانيها حول الحكم على الشيء، ومراعاة العدل فيه، والحكمة والإتقان. (1)
وأما حوكمة الشركات: أو الحوكمة المؤسسية، فهي مجموعة القواعد المنظمة لإدارة الشركة والرقابة عليها، والضابطة للعلاقات بين إدارة الشركة ومجلس إدارتها وحملة أسهمها ومجموعة أصحاب المصالح، ويتم تحديد الهيكل الذي يتم من خلاله تحديد أهداف الشركة والوسائل التي تحقق تلك الأهداف ومراقبة الأداء. (2)

ثانيًا: نشأة حوكمة الشركات:

أما بداية نشأة المفهوم: فقد خرج مصطلح الحوكمة عام 1992م من لجنة كادبوري، التي شُكِّلت لدراسة كيفية توافق الشركات مع القانون؛ ووضع حد للتلاعبات والملفات الخفية والضبابية وعدم الشفافية. ووضع قواعد ومعايير حوكمة الشركات.
ولجنة كادبوري (Cadbury Rules) (3): هي التوجيهات أو الإرشادات الموصى بها من قبل لجنة كادبوري البريطانية لحوكمة الشركات والتي قدمت تقريرها عام 1992م. وكان هدفها المعلن: المساعدة في رفع مستوى معايير حوكمة الشركات ومستوى الثقة في التقارير المالية والتدقيق عن طريق تحديد مسئوليات كل من المعنيين بدقة ووضوح. وكان ذلك في ديسمبر 1992م، حيث نشرت لجنة كادبوري مدونة لأفضل الممارسات. وتضمنت التوصيات التي عكست إلى حد كبير أفضل الممارسات المتوخاة في ذلك الوقت، وهي فصل أدوار الرئيس التنفيذي (CEO) ورئيس مجلس الإدارة (Chairman)، مع وجود ثلاثة مديرين غير تنفيذيين (Non‐executive Directors) على الأقل في المجلس وصياغة لجان المراجعة. كما دعت المدونة إلى قيام المستثمرين المؤسسيين بدور أكثر نشاطًا في تعزيز الممارسات الجيدة في إدارة الشركات. كما تناقش هذه الوثيقة كيفية حل مشكلات المؤسسة جزئيًّا من خلال حوكمة الشركات، ومراجعة الأدلة على الامتثال لقانون كادبوري، وفحص العلاقة بين هيكل مجلس الإدارة وأداء الشركة، والبحث عن أدلة على أن القانون قد عزّز أداء مجلس الإدارة.
وأما في مفهوم إدارة الشركات والرقابة عليها: فقد برز في أواخر القرن العشرين؛ نتيجة لانهيار الكثير من الشركات الكبرى، فضلاً عن تراجع اقتصادات الكثير من الدول؛ بسبب الأزمات المالية التي أحدثها الاقتصاد الوضعي بقواعده وأدواته القاصرة، وكان المخرج -في تصورهم- هو تطبيق قواعد الحوكمة. والتفكير في كيفية حماية المستثمرين من أخطاء مجالس إدارة الشركات، التي أدت إلى خسائر مالية قدرت بمليارات الدولارات، وهي تكلفة باهظة لسوء الإدارة، وعبء على الشركات والاقتصاد العالمي.
فالحوكمة في الاقتصاد الغربي مرتبطة بمحاولات الخروج من الأزمات المالية والاقتصادية والفساد الإداري، بداية من أزمة 1990م، وبعدها الأزمة الآسيوية عام 1997م، والأزمة المالية العالمية عام 2008م.
وقد أخذت حوكمة الشركات بعدًا آخر بعد حدوث الأزمات والفضائح المالية في كبريات المؤسسات الأمريكية وإفلاسها ففي الفترة من سبتمبر 2001م إلى سبتمبر 2002م انهارت أكثر من (60) ألف شركة أمريكية، وعلى رأسها الشركات العملاقة مثل: Enron ,World com, Zerox، وتم تسريح أكثر من (140) ألف عامل أمريكي. لذا قامت هيئة الأوراق المالية في نيويورك (SEC) بإصدار ما يعرف بقانون Sarbanes & Oxley Act عام 2002م ليصبح مرجعية لتطبيق قواعد حوكمة الشركات. وقد ألزم الشركات المدرجة في البورصة بتطبيق القواعد المنصوص عليها في هذا القانون بعد أن كشف التحقيق أن أهم الأسباب انهيار الشركات هو التلاعب والغش وتقديم الرشاوى لتقديم المصلحة الخاصة على مصلحة الشركة، وعدم توفر عنصر الشفافية والإفصاح في البيانات المالية، وعدم احترام أخلاقيات المهنة من قبل المهنيين، وضعف وجود الضوابط والقوانين التي تقوم أداء المدراء وأعضاء مجالس الإدارة، وتمنعهم من التحريف في البيانات المالية لمصلحتهم، وازدواجية العمل للجان التدقيق وأعضاء مجالس الإدارة، وعدم قيام الأطراف المعنيين بحوكمة الشركات بواجباتهم تجاه الشركات. (4)
وعلى المستوى الدولي يعتبر التقرير الصادر عن منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي (OECD) Organization for Economic Co-operation and Development عام 1999م بعنوان “مبادئ حوكمة الشركات”، هو أول اعتراف دولي رسمي بذلك المفهوم.
ومما ينبغي التنبيه عليه: أن هذه الأزمات ليست مالية بل هي أزمات أخلاقية؛ لأنها لم تنشأ من مشكلة مالية، بل نشأت من مشكلات أخلاقية. ومبناها على تقديم المصلحة الخاصة على العامة، والتلاعب والغش وعدم الشفافية، كما أن مجموعة من المصرفيين الاستثماريين كانوا لا يبالون بتغليف المنتجات المسمومة وبيعها للناس. فلم تكن المشكلة مالية بل أخلاقية في المقام الأول.

ثالثًا: أهم مبادئ حوكمة الشركات:

شملت ستة مبادئ، وهي:

  1. ضمان وجود أساس لإطار عام وفعال لحوكمة الشركات، بأن يكون مؤثرًا وفعالاً لتحقيق الأداء الاقتصادي الشامل، والقيام بالمتطلبات القانونية والتنظيمية في نطاق اختصاص تشريعي، وتوزيع المسئوليات.
  2. حقوق المساهمين والوظائف الرئيسية لأصحاب الملكية، بتوافر الحقوق الأساسية للمساهمين؛ كالحق في المعلومات عن القرارات، والحق في المشاركة بالتصويت، والإفصاح عن الهياكل والترتيبات، وتسهيل الممارسة لحقوق الملكية.
  3. المعاملة المتساوية للمساهمين، فينبغي معاملتهم معاملة متساوية، ومنع التداول بين الداخليين في المنشأة، والإفصاح عن العمليات.دور أصحاب المصالح في حوكمة الشركات، وذلك وفقًا للقانون أو نتيجة لاتفاقيات متبادلة، والتعويض مقابل انتهاك الحقوق، وتطوير آليات لتعزيز الأداء من أجل مشاركة العاملين، والحصول على المعلومات بالقدر المناسب وفي الوقت المناسب، واستكمال إطار فعال للإعسار وآخر لتنفيذ حقوق الدائنين.
  4. الإفصاح والشفافية، وذلك بالإفصاح عن هياكل الحوكمة وسياساتها، والإفصاح طبقًا للمستويات النوعية للمحاسبة والإفصاح المالي وغير المالي، والقيام بمراجعة خارجية سنوية مستقلة بواسطة مراجع خارجيّ مستقل كفؤ، وقابلية المراجعة للمساءلة والمحاسبة أمام المساهمين، وتوفير فرصة متساوية، وتوقيت مناسب لإيصال المعلومات لمستخدميها، واستكمال إطار الحوكمة بمنهج فعال.
  5. مسئوليات مجلس الإدارة، بالعمل وفقًا للمعلومات الكاملة مع العناية الواجبة، وضرورة المعاملة العادلة للمساهمين، وتطبيق معايير أخلاقيّة عالية مع أخذ مصالح أصحاب المصالح الآخرين بعين الاعتبار، وعرض استراتيجية المنشأة وسياساتها وخطط عملها السنوية، والحكم الموضوعي المستقل على شؤون المنشأة، وإتاحة جميع المعلومات لأعضاء مجلس الإدارة وفي الوقت المناسب. (5)

رابعًا: أهداف حوكمة الشركات:

تهدف الحوكمة لتحقيق التنمية الاقتصادية، وتجنب الأزمات المالية، وتحقيق الأهداف بشكل سليم، وزيادة الجودة وتطوير الأداء؛ للحفاظ على مصالح جميع الأطراف.
وذلك من خلال ترسيخ عدد من معايير الأداء، بما يعمل على تدعيم الأسس الاقتصادية في الأسواق وكشف حالات التلاعب والفساد والرشوة وسوء الإدارة، بما يؤدي إلى كسب ثقة المتعاملين في هذه الأسواق والعمل على استقرارها والحد من التقلبات الشديدة فيها، وبالتالي تحقيق التقدم الاقتصادي المنشود. ومن أهم أهداف الحوكمة:

  1. وضع وتنفيذ أهداف استراتيجية سياسات واضحة، وقيم ومبادئ تكون معلومة لدى كل العاملين بالشركة.
  2. وضع أنظمة الرقابة الفاعلة على أداء إدارة الشركة وأعضاء مجلس إدارتها، وتدعيم المساءلة المحاسبية؛ لتجنب الغش وتضارب المصالح، وجميع التصرفات غير المقبولة ماديًّا وإداريًّا وأخلاقيًّا.
  3. التوافق مع القوانين، وتعميق ثقافة الالتزام بالقوانين والمبادئ والمعايير المتفق عليها.
  4. إدارة وتقييم المخاطر؛ لتعظيم أداء الشركة، وتجنب الكوارث.
  5. ضمان دور مهم للتدقيق الداخلي والخارجي.
  6. تحقيق معدلات نمو مرتفعة ومستدامة؛ لتعظيم أرباح الشركة.
  7. تفعيل سوق المال وتعبئة المدخرات ورفع معدلات الاستثمار.
  8. تشجيع نمو القطاع الخاص ودعم قدرته التنافسية، وحماية حقوق الأقلية، وزيادة الثقة في الاقتصاد القومي.
  9. الشفافية والدقة والوضوح في القوائم المالية للشركة، وما يترتب عليه من زيادة ثقة المستثمرين بها.
  10. تحسين القدرة التنافسية للشركة، وزيادة قيمتها وفتح أسواق جديدة لها.
  11. تحقيق العدالة والشفافية ومحاربة الفساد.
  12. مراعاة مصالح الأطراف المختلفة وتفعيل التواصل معهم.
  13. تشجيع السلوكيات الأخلاقية. (6)

والحاصل أن الحوكمة المنضبطة لابد وأن تحقق النمو المالي والنجاح الإداري، وتقضي على كل سبل الفساد، وتزيد من ثقة المهتمين؛ كالمستثمرين الحاليين والمحتملين في مخرجات النظام المحاسبي والتقارير التي تصدر عن إدارة الشركة؛ وفق معايير المحاسبة والتدقيق الدولية. ولتحقيق ذلك لابد وأن تتسم إدارة الشركة بعدة خصائص؛ كالانضباط، والشفافية، والاستقلالية، والمساءلة، والمسئولية، والعدالة.
ومما لا شك فيه أن حوكمة الشركات آلية جديدة مستحدثة لضبط إدارة الشركات، والحفاظ على حقوق أصحاب المصالح فيها، وضمان عدم تضارب هذه المصالح، وتحقيق الشفافية والإفصاح. وقد برز دورها بشكل كبير مع تعدد الأزمات المالية، وإفلاس الشركات الكبرى؛ لغياب الشفافية والإفصاح، والانحراف في استعمال سلطات بعض أعضاء الإدارة التنفيذية العليا في الشركات لمصلحة شريحة من الملاك على حساب المساهمين الصغار.
وهنا نطرح سؤالاً مهمًّا: هل نجد لمفهوم حوكمة الشركات نظيرًا في تراثنا الفقهي؟ وهل تعرض له الفقهاء من قريب أو بعيد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة؟
وهل يمكن أن نستخلص مفهومًا مستقلاً لحوكمة الشركات انطلاقًا من تراثنا الفقهي؟ وهل هناك محاولات جرت في هذا الصدد؟ وهل هناك فرصة لتفعيل هذا المصطلح بعد صياغته في ممارسات الشركات المعاصرة من منظور ضوابط الفقه الإسلامي؟
هذا ما سوف نتناوله في مقال مستقل في المستقبل القريب بعون الله تعالى.

(1) انظر: المعجم الوسيط: 1/190.
(2) راجع: تعريف منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي (OECD)، https://www.oecd.org.
(3) راجع موقع: https://www.meemapps.com/term/cadbury-rules.

(4) راجع مواقع: https://www.albayan.ae/opinions/2002-07-04، https://ar.wikipedia.org/wiki، https://www.startimes.com.
(5) راجع تقرير منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي (OECD) بالتعاون مع مجموعة العشرين G20 الصادر 2015م: https://www.oecd-ilibrary.org/governance/G20-OECD-principles-of-corporate-governance-2015.
(6) راجع مواقع: www.hawkama.net، https://economistsarab.com .

No comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *