درء المخاطر في إدارة الديون من منظور الشريعة الإسلامية

بقلم الأستاذ/ عبد القادر نايف مهيار (1) والأستاذ الدكتور/ عبد الله الكيلاني

تمهيد

يرى عدد من المفكرين الاقتصاديين أن ثروة الأمم لا تستند إلى مقدار المصادر والثروات الطبيعية في الدولة كالذهب والألماس والبترول وغيرها بقدر ما تعتمد على النظام الاقتصادي المؤسسي الذي يسمح بتكون الثروات، وبحسب النظرية الرسمالية عند سميث وغيره من الرأسماليين فإن وجود نظام مؤسسي لتنمية تلك الموارد يؤمن بحرية السوق واحترام القانون والملكية الخاصة، وبالحد الأدنى من تدخل الدولة، هو النظام الأمثل. ويؤيد الرأسماليون نظريتهم بأن الإتحاد السوفياتي رغم ما يمتلكه من ثروات معدنية لم يكن الأغنى في العالم؛ لأنه لم يأخذ بفضائل النظام الرأسمالي.
غير أن ازمة الرهن العقاري التي واجهت السوق الرأسمالي عام 2008م، وأدت إلى إفلاس شركات كبرى وبنوك بسبب الديون والمشتقات المالية التي لا تستند إلى موجودات حقيقية بينت خللاً في النظام الرأسمالي نفسه؛ لأنه اعتبر الدين سلعة يتجر بها ويتربح منها، وهذا مخالف للفكر الاقتصادي الإسلامي الذي لا يسمح بمعاملة الدين كسلعة ولا بالمماطلة بأداء الديون.
ويسعى المقال لإبراز ميزة في النظرية الاقتصادية الإسلامية، وهي أن الدين الناشئ عن معاملة تجارية ينبغي أن يكون إلى أجل مسمى، ولا يجوز المماطلة بأداء الديون، ويفرق المقال بين القرض الحسن وبين الدين الناشئ عن معاملة تجارية، كما ينبه إلى سلوكيات تعد انحرافًا عن نظام البيع الإسلامي بحيث يلجأ التجار إلى الشراء بالدين، ثم ينتفعون من حصيلة المال، ويماطلون يما يؤثر سلبا على دورة رأس المال العامل، كما ينبه المقال إلى خطر البيوع بالشيكات طويلة الأجل التي تؤخر كشف الخلل، بما يعود بالضرر على نظام البيع بكل عملياته، ويدفع الموردين إلى عدم البيع بأجل، وربما يؤدي إلى تكدس السلع، ويلجأ المشتري للقروض الربوية بما يؤدي إلى ارتفاع السعر دون تقديم قيمة مضافة حقيقية، ولو أن التجار التزموا بالنظام الإسلامي مع مراعاة الوفاء لما احتاج التجار للربا . ولتحرك رأس المال العامل بكفاءة.

البيع نظام متكامل

وسأبين في هذا المقال ميزات وخصائص الاقتصاد كما جاءت في الشريعة الإسلامية من منظور اقتصادي ومهني، ومدى أثرها وتطبيقها على الواقع، وبيان أهمية الاقتصاد الإسلامي ودوره في تحقيق المصلحة العامة ومصلحة المتعاملين، وحماية المقومات الاقتصادية. وذلك من خلال تتبع وتدبر الآيات الكريمة، التي تتضمن القواعد التشريعية والشروط الأساسية للتداين، وأهمية توفر القدرة على الالتزام والوفاء. بالدين، وكذلك أهمية حضور السلعة والقيمة لرفع قدرة العمل الإداري على تحقيق الأهداف وحماية رأس المال.
ومعلوم أن من مبادئ الاقتصاد الإسلامي: أن المال مال الله والإنسان مستخلَف فيه، وبذلك فالإنسان مسئول عن هذا المال، كسبًا وإنفاقًا، أمام الله تعالى في الآخرة، ثم أمام الناس في الدنيا. فلا يجوز أن يكتسب المال من معصية أو ينفقه في حرام، ولا فيما يضر الناس.

أولاً: البداية من آية مشروعية البيع وحرمة الربا

قال تعالى: ﴿‌وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]، وكل ما أحل الله سبحانه ينفع الناس ويصلحهم، وما حرم الله إلا ما يضر بمصالحهم.
والبيع: هو الهدف الذي تسعى عجلة النظام الاقتصادي للوصول إليه، ويتحقق هذا الهدف بعمل القطاع التجاري كنظام متكامل . ويتضح ذلك عند تأملنا في شروط وأركان البيع وأقسامه التي ارتكزت على تبادل المنفعة ودرء المخاطر، فنجد ان البيع نظام متكامل إذ يسبق البيعَ عمل قطاعات مختلفة تبدأ من مرحلة التخطيط وتطبيق وظائف الإدارة المختلفة.
وتشمل إدارة الموارد وعمليات الإنتاج وسلاسل التوريد والجودة والنوعية والتسويق والنقل غيرها. وصولاً إلى مرحلة البيع (قطاع التجارة) التي يتم من خلالها تحقيق الأرباح الحلال؛ كأهداف عمليات البيع، والتي ترتكز على تبادل السلعة والقيمة بين البائع والمشتري.
ويكون ذلك في إطار ضمان رضا العملاء، وتلبية حاجاتهم، وهذا يعتمد على مدى القدرة على فهم احتياجات العملاء ورغباتهم وتزويدهم بالمنتجات والخدمات المناسبة.
إن كل ما ذكر يعتبر الإطار العام والقواعد الأساسية التي توفر البيئة المناسبة للحفاظ على انتعاش ومناعة النظام الاقتصادي ومقوماته، ومصدرا للرزق الحلال. فلقد أحل الله البيع بشكل مطلق دون تحديد أو توصيف؛ ليؤكد أن البيع المقصود هو ما يشمل كافة مقومات النظام الاقتصادي.
وأما الربا: فهو مجرد تعاملات مالية تقوم عليها الإدارة المالية لإدارة الأموال، فهي مجرد معاملات مالية، ولا ترتبط بالنظام الاقتصادي. وهنا تكمن الحكمة من تحريم المعاملات الربوية في الإسلام، والحرص على عدم وجود أي شبهة ربا في التعاملات التجارية. لما لها من آثار سلبية مباشرة على عجلة الاقتصاد كنظام، وعلى دورة رأس المال العامل، وبالتالي تنعكس آثاره على استدامة التنمية الاقتصادية والمجتمعية. وهنا يمكن القول بأن تحييد العمليات الربوية سوف يكون من خلال نجاح النظام الاقتصادي ومنعته، والعكس صحيح.

ثانيًا: آية الدَّيْن

ونأتي لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ‌تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 282]. وعند تدبر الآية والنظر في تفاسير العلماء، نجدها تتحدث عن موضوع هام في التعاملات التجارية، تناولته في محورين:
المحور الأول: التداين: وينشأ عن معاملة تجارية، وهو يختلف عن القرض الحسن، وهو نوع من التعامل بالدفع الآجل في التجارة، والمراد به التمويل ويحقق مصلحة لكل من البائع والمشتري. بحيث يكون ضمن القواعد والشروط التي وضعها الله سبحانه وتعالى لحفظ الحقوق وحماية كافة الأصول في إطار التوثيق وضمان الوفاء والالتزام بالحقوق. ولهذا دلالة واضحة على أهمية التأكد من القدرة على الوفاء قبل التداين، بما يضمن الحفاظ على قدرة رأس المال ودورانه في إطار عمليات البيع، وذلك من باب تقوى الله، لحماية المجتمع من التداعيات السلبية من عمليات التداين، وأثرها على السعر والجودة.
أما المنفعة التي تعم كافة أطراف التعامل في عملية التداين الشرعي وتحقيق قيمة الديْن، فتكمن في استمرارية واستدامة الأعمال، ومدى إمكانية تحقيق مبدأ تبادل المنفعة بما يضمن حماية الموجودات والأصول لأهميتها في عمليات التنمية المجتمعية. وأما فيما يخص قيمة التداين، فسوف تتحقق من خلال الاستدامة والالتزام بالوفاء؛ لأنه بالتوثيق يحرص المدين على الالتزام وعدم التقاعس في السداد، وذلك لضمان تكرار حصوله حاجاته. ومع وجوب تحديد الأجل في الديون تضبط المدة الزمنية لدورة رأس المال بما من يحد من الزيادة في مدة وسقف الدين، لما لها من آثار سلبية على السعر والجودة وقيمة الدين.
بمعنى أن التعامل التجاري مع تأجيل الثمن، يجب أن يضمن الحفاظ على السلع بجودة، وعلى القيمة بالالتزام التام بالوفاء ليكون بمثابة التمويل، وعدم تأخير أو امتناع المدين بأي حال من الأحوال عن السداد. وهنا نستنتج أنه لابد من الحرص على عدم تعارض المعاملات المالية بأي شكل مع شروط التداين الشرعي وغاياته، وأن تكون عن تراض كما أراده لله تعالى. وبناء عليه يمكن القول بأن هناك إشارة واضحة إلى أهمية الحرص على درء المخاطر من معاملات التداين. وأهم هذه التعاملات في وقتنا الحاضر، والتي يجب الوقوف عندها وقد ألفها الناس، ألا وهي التعامل بالشيكات الآجلة لاسيما طويلة الأجل، لما لها من آثار سلبية وتحديات لا حصر لها؛ لكونها تستحوذ على النسبة الأعلى من العمليات التجارية، وقد تجلب المخاطر، كما أنها قد تحول دون كشف مواطن التعثر والفشل في الوقت المناسب.
ويظهر التعارض جليًّا في جلب المخاطر عند معرفة التاجر البائع (الدائن) بأن المشتري (المدين) سوف يقوم ببيع البضاعة وقبض قيمتها فور استلامها أو بعده بوقت قصير، سواء كان المشتري تاجرًا أو غير ذلك. وذلك بهدف الحصول على السيولة النقدية، وليس للتجارة، والتصرف بها قبل موعد الاستحقاق وانفاقها، أو إعادة توجيهها لغايات أخرى، مما يتسبب بتآكل وإهدار لرأس المال العامل؛ كنتيجة حتمية لمخاطر عدم الالتزام والوفاء بالسداد. علمًا بأن الإنفاق يجب أن يكون في حدود ما نص عليه الشرع من الرزق المقدر حلالاً. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ‌يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: 3].
والسؤال الذي يطرح نفسه ما هي مصلحة البائع الذي يقبل بهذا على علم، إن لم تكن في إطار القرض الحسن؟ فالحرص هنا مطلوب ألا يكون ممن ﴿َأَضَلَّهُ ‌اللَّهُ ‌عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: 23]، فلا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة ولا يقتل بعضكم بعضا (أي بالضرر).
وتأتي الآية التالية كإشارة واضحة لتؤكد أهمية ما ورد في حفظ الحقوق وتبادل المنفعة في التعامل التجاري. فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ‌وَلَا ‌تَقْتُلُوا ‌أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29].
وكما ورد في الحديث النبوي الشريف في نفس السياق: روى الحارث بن أبي أسامة عن علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “‌كُلُّ ‌قَرْضٍ ‌جَرَّ ‌مَنْفَعَةً، فَهُوَ رِبًا“. (2)
والحديث قاعدة من قواعد الشرع، فكل قرض جر نفعًا، فهو ربا. فقد نهى الشرع عن كل قرض يجر منفعة للمقرض. فغالبًا في هذه الحالات تنعكس منفعة البائع سلبًا على مصلحة المجتمع بشكل عام ومصلحة المستهلك بشكل خاص. وفي هذه الحالات لا يتحقق التداين وفقا للمعايير الشرعية الذي هو شكل من اشكال (التمويل) كما أنه لم تتحقق التجارة الحاضرة (البيع النقدي)، ولم يكن البيع عن تراض بلا ضرر ولا ضرار، بل قد تنتهي المعاملة إلى اللجوء للتقاضي.
والجدير بالذكر أن البيع بالشيك الآجل الدفع لا يعتبر ضمن التجارة الحاضرة، فالشيك في القانون هو فقط أداة وفاء للدفع النقدي الفوري، بالتالي الشيك الأجل هو بمثابة أداة ائتمان بمعنى قبول البائع إقراض المشتري قيمة البضاعة.
المحور الثاني: قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾.
وقد تناولت هذه الكلمات استثناء عملية البيع النقدي وتبادل القيمة والسلعة، عن عمليات البيع بالتداين والتي تهدف إلى:
أولاً: حضور القيمة وحماية واستمرارية دورانها كرأس مال عامل دون تبخيس أو تفريط.
ثانيًا: الحفاظ على السلعة كمًّا ونوًعا لتتوافق مع حاجات ورضى المشتري، عند حد الإشباع دون مبالغة. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ‌أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67]، وتأتي الآيات التالية للتأكيد على نهي الله تعالى عن الغش والتلاعب: قال تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ ‌أَوْفُوا ‌الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [هود: 85]. وقال تعالى: ﴿‌وَيْلٌ ‌لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: 1-3].
وجاء أمر الله تعالى بوجوب الحرص على الإشهاد في البيع في كافة صوره، من باب التأكيد على حفظ الحقوق من أي ضرر. فقال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، ولهذه الآية دلالة على أهمية توثيق ما تم الاتفاق عليه بين البائع والمشتري لمنع الضرر وضمان تبادل المنفعة، والسبل لذلك متوفرة ومتعددة؛ لتكون كما أرادها الله سبحانه سواء كانت في إطار البيع مع تأجيل الثمن أو البيع في التجارة الحاضرة (النقدية)، أو كانت عن تراض. وهذه تعتبر أهم العوامل التي تسهم في تحسين قدرة وأداء الإدارة على تحقيق الأهداف بين المتعاملين، فينعكس ذلك على أداء الاقتصاد بشكل عام.

ثالثًا: المبادئ الخمسة في أداء الاقتصاد كما جاءت في الشريعة الإسلامية:

بناء على ما سبق فإن المبادئ الرئيسية الواجبة لتحسين أداء الاقتصاد الإسلامي، والتي تسهم في درء المخاطر، وتبين مدى اهتمام الشريعة الإسلامية بتفاصيل العمليات المالية للاقتصاد بشكل عام. ويمكن اعتبارها القاعدة الأساسية التي يرتكز عليها أداء الاقتصاد؛ سواء من ناحية تكاملها وارتباطها بكفاءة وأداء الاقتصاد، ومن ناحية ترابطها لتكون كجملة واحدة في محور التطبيق على الواقع.
أولا: مبدأ ﴿‌وَأَحَلَّ ‌اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، فأحل الإسلام ما ينفع الناس وحرم ما يضر بهم. والأمر بما أحل الله والنهى عما حرم، سوف يحول دون توجه رؤوس الأموال إلى التعاملات الربوية.
ثانيًا: مبدأ التجارة الحاضرة، البيع النقدي، ويكون ذلك في إطار حضور القيمة والجودة في الوقت والزمن المناسبين.
ثالثًا: مبدأ درء المخاطر ضمن إطار قواعد وشروط التداين؛ تنفيذًا لأمر الله تعالى في البيع الآجل، والحرص الشديد على الالتزام والوفاء بالعهود، وأهمية ذلك في حماية الأصول من التعثر والفشل، وحفظ قيمة الدين. وبالتالي توفير الدوران الآمن لرأس المال العامل، وحماية الاقتصاد ومنعته وانتعاشه.
رابعًا: مبدأ التجارة عن تراض، في إطار التقاء وتوافق مصلحة المتعاملين، ويمكن تشبيهه كأقرب مثال بالاقتصاد التشاركي. وضمان العدالة في تبادل المنفعة في السلعة والقيمة وتحييد الأنانية، وحفظ قيمة الدين والمصلحة العامة. فلا تبدأ عن تراض وتنتهي بالتقاضي.
خامسًا: مبدأ توثيق عمليات البيع بالإشهاد، في إطار حفظ الحقوق دون إنكار، فذلك يجلب الثقة وينعكس إيجابًا على تلبية حاجات الناس.
وخلاصة المقال: إن الخلل في نظام السوق الإسلامي على مستوى المدخلات كحضور السلعة وضبط أوصافها في حال السلم، أو الاختلال في العمليات كالتوثيق والالتزام بالأجل المسمى والوفاء بالحقوق؛ سيؤدي إلى خلل في المخرجات تؤدي إلى تأخير دورة رأس المال الإنتاجية ونشوء تشوهات في السوق. وإن الالتزام بالنظام الإسلامي بكل عملياته من شأنه أن ينهي النظام الربوي، ويعود بالنفع على كل أطراف عمليات البيع، وهنا يأتي دور المفكرين الاقتصاديين لاقتراح السياسات والتدابير التي تحفز التجار على احترام قواعد السوق الإسلامي في إدارة الديون.

(1) مدير إقليمي، ماجستير إدارة أعمال، متخصص ومدرب دولي في ادارة المعرفة.
(2) أخرجه الحارث بن أبي أسامة: 1/500 (437) كتاب البيوع، بَابٌ فِي الْقَرْضِ يَجُرُّ الْمَنْفَعَةَ، والبيهقي: 11/294 (11036) كتاب البيوع، بابٌ: كُلُّ قَرضٍ جَرَّ مَنفَعَةً فهو رِبًا. وقال: موقوف. والحديث ضعفه المحدثون.

No comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *