ضبط المعاملات المالية المعاصرة في ضوء العلل المحرمة “علة الـربـا”

إعداد الدكتور: محـــمــد عبد الحليم هـــيكـل
مراجعة الأستاذ الدكتور: فياض عبد المنعم حسانين

تناولت في مقال سابق ضبط المعاملات المالية المعاصرة في ضوء العلل المحرمة من خلال حصر تلك العلل، على أن اتناول في هذا المقال علة الربا وبعض التطبيقات المعاصرة التي اشتملت عليه.
لقد حرم الإسلام الربا وشدد في تحريمه، بنصوص بينة قاطعة في القرآن والسنة، لا مجال فيها لتمحل متمحل، أو تأول متأول، بزعم الاجتهاد والتجديد، إذ لا اجتهاد فيما كان قطعي الثبوت والدلالة بإجماع الأمة سلفها وخلفها. كما أن من أعظم مقاصد الشريعة الكلية، تحريم الربا، وهو أصل من أصول الشَّريعة في باب المعاملات، لما يحدثه في المجتمع بأسره من ظلم، وأكل أموال الناس بالباطل.
وعرف العلماء الربا بأنه: الزيادة في أشياء خاصة والزيادة على الدين مقابل الأجل مطلقاً(1). وهو على نوعين (2): الأول: ربا البيوع: وينقسم إلى قسمين: ربا الفضل: وهو الزيادة في أحد البدلين الربويين المتفقين جنسًا. وربا النسيئة: هو تأخير في بيع كل شيئين ليس أحدهما ثمناً، علة ربا الفضل فيهما واحدة وفضل الحلول على الأجل مطلقاً. وبذلك يكون التعريف شاملاً لربا اليد: وهو البيع مع تأخير قبض العوضين أو قبض أحدهما.
الثاني: ربا الديون: وهي الزيادة التي يفرضها أحد المتعاقدين على الآخر مقابل الأجل وهذه الزيادة على نوعين: الأول: الزيادة المقابلة للأجل التي أنشئ العقد من أجلها. الثاني: الزيادة المشروطة التي نشأت لاحقًا مقابل رغبة المدين في تأجيل وقت سداد الدين. وهذا القسم بنوعيه هو الذي تنصرف إليه نصوص الربا في القرآن الكريم؛ لأنه كان هو المتعارف عليه عند نزول تلك الآيات؛ لذلك يسمى ربا القرآن.
كما أنه يوجد فرق بين ربا النسيئة في البيوع وربا النسيئة في الديون، فالزيادة في الأول لم تكن مقابل التأجيل، وإنما خاصة في عقد البيع الذي حصل فيه تأخير لأحد المبيعين على الرغم من اشتراط تقابضهما في مجلس العقد وفقًا للمعيار الشرعي، أما إذا وجدت زيادة في أحد العوضين مقابل التأجيل فتلحق هذه الزيادة حينئذ بالنسيئة في ربا الديون. فالنسيئة في الديون: زيادة في مقدار أحد البدلين مقابل الأجل، بينما النسيئة في البيوع: زيادة في أجل أحد المبيعين مع أن المعيار الشرعي يقتضي تقابضهما في الحال، دون أن يقابل هذه الزيادة في الأجل زيادة في أحد العوضين (3).
والقروض يجري فيها الربا في جميع الأموال والسلع بإجماع الفقهاء قاطبة، فمتى استلف سلعة أو مالاً على أن يرد مثلها لاحقًا فلا يجوز اشتراط الزيادة في مقدار البدل مقابل الأجل بالإجماع (4)، أيًا كان هذان البدلان.
وهناك مسألة من الأهمية بمكان تحتاج إلى مزيد إيضاح، وهي الشبهة التي يروجها بعض المعاصرين في أن المعاملات المالية المعاصرة ليست من ربا الدين المحرم بالقرآن والسنة والإجماع. والحقيقة غير ذلك، حيث أن الخلاف الفقهي الذي يذكره العلماء في العلة الربوية إنما مجال إعماله في ربا البيوع دون ربا القروض؛ لأن الربا في البيوع خاص بصنف من الأموال، فدعت الحاجة إلى استنباط العلة الربوية لضبط هذا الصنف، بينما الربا في القروض شامل بمقتضى النصوص لجميع الأموال، فلا حاجة من بحث العلة الربوية فيه (5). ومن العلماء من يرى أن الربا يقع على كل البيوع المحرمة (6).
وفي تحريم الربا حِكَماً عظيمة، وفي إباحته أو المعاملة به ضرراً جسيماً وفساداً كبيراً أخلاقياً واجتماعياً واقتصادياً، ولعل من أبرزها ما تصيبه من اغتناء غير مشروع بسبب حصولها المحتوم على فوائدها المقررة من المقترضين واجتنابها المساهمة في مخاطر مشروعاتهم، وميلها في أوقات الرخاء إلى التوسع في الإقراض بفتح الاعتمادات التي تربو على رصيدها أضعافاً مضاعفة، وميلها في أوقات الركود إلى التضييق في الإقراض أو الكف عنه، فهذا البسط والقبض الذي تتحكم فيه إرادة القائمين على البنوك هو من أهم العوامل التي تهز الكيان الاقتصادي وتفضي إلى تتابع الأزمات (7).
ويمكن ضبط المعاملة والحكم عليها بأنها ربوية أم لا من خلال: إبراز الضوابط المعينة على الحكم على المعاملة بأنها من قبيل ربا الديون أو من قبيل ربا البيوع. فضابط ربا الديون وجود زيادة مشروطة في أحد البدلين مقابل الأجل في العوض الثاني، ودائرته واسعة لتشمل أي عوضين من جنس واحد أيًا كان هذان العوضان، وعموم المعاملات الربوية في البنوك التقليدية من هذا القبيل.
وضابط ربا البيوع هو تحقق إحدى قاعدتيه، الأولى: إذا اتحد العوضان في العلة والجنس؛ حرم ربا الفضل والنسيئة معًا. الثانية: إذا اتحد العوضان في العلة واختلفا في الجنس؛ حرم ربا النسيئة دون ربا الفضل، ودائرته ضيقة؛ لأنه منحصر في الأموال الربوية التي تحققت فيها إحدى القاعدتين، وصوره في البنوك التقليدية محدود جدًا ويكاد تنحصر في جانب من بيع العملات بالأجل فحسب (8).

وهناك بعض الصور للمعاملات المالية المعاصرة التي تضمنت على علة الربا: منها: –

بطاقات الائتمان غير المغطاة: وهي مستند في شكل بطاقة من البلاستك يعطيه مصدره “البنك المصدر” لشخص طبيعي أو اعتباري “حامل البطاقة” بناء على عقد بينهما، يمكنه من شراء السلع، أو الخدمات، ممن يعتمد هذا المستند “التاجر” دون دفع الثمن حالًا لتضمنه التزام المصدر بالدفع، ويكون الدفع من حساب المصدر، ثم يعود على حاملها في مواعيد دورية، وبعضها يفرض فوائد ربوية على مجموع الرصيد غير المدفوع بعد فترة محددة من تاريخ المطالبة وبعضها لا يفرض فوائد (9).
وهذه البطاقات يختلف حكمها باختلاف التطبيق، فإذا خلت من المحاذير الشرعية تكون جائزة؛ وأغلب المحاذير الشرعية فيها مرتبطة بالربا بنوعية؛ مثل: أخذ فوائد من العميل مقابل التأجيل في السداد، وفرض رسوم إصدار على العميل زائدة عن التكلفة الفعلية لإصدار البطاقة، وأخذ رسوم عند السحب النقدي زائدة على التكلفة الفعلية، ودفع العميل قيمة إضافية على السلعة مقابل النسبة التي يقتطعها المصرف من التاجر. فهذه المحاذير كلها داخلة في ربا الديون ومن المحاذير الأخرى الداخلة في ربا البيوع: شراء الذهب والفضة وكذا العملات النقدية بالبطاقة غير المغطاة -بناء على القول بأن إصدار الإيصال لحظة مصادقة البنك على العملية لا يعد قبضًا حكمياً- (10).
السندات: وهي شهادة يلتزم المصدر بموجبها أن يدفع لحاملها القيمة الاسمية عند الاستحقاق، مع دفع فائدة متفق عليها منسوبة إلى القيمة الاسمية للسند، أو ترتيب نفع مشروط سواء أكان جوائز توزع بالقرعة أم مبلغاً مقطوعاً أم حسماً (11). فالسند وثيقة تثبت أن مصدِرَ السند استلم من حامله قيمة هذا السند، وأنه ملتزم بردها في تاريخ معين، كما أنه ملتزم بتسديد فائدة دورية محددة تضاف على قيمة السند وهذا السند قابل للتداول.
فمصدر هذه السندات ملتزم برد القيمة التي استلمها من المشترى الأول للسند إلى المشتري الأخير، وملتزم بدفع فوائد دورية لحامل السند تضاف على القيمة، وهذه الفوائد هي عين ربا القروض (12).
الحسابات ذات الأجل: وهي الودائع التي لا يلتزم البنك بردها إلا عند حلول أجل معين ولا يجوز للمودع طلب استردادها قبل وقت حلولها، وتلتزم فيها المصارف بدفع فوائد ثابتة بنسبة معينة على هذه الودائع (13). وهذه الفوائد هي عين ربا الديون/ لأنها في حكم القروض حيث بلتزم البنك بمثلها عن حلول أجلها فتكون كل زيادة عليها من الربا المحرم (14).
خصم الأوراق التجارية: وهي:” الشيكات والسندات لأمر وسندات السحب”: حيث يقوم المصرف بتسليم قيمتها نقداً لحاملها قبل ميعاد الاستحقاق مطروحاً منها مبلغاً معيناً كفائدة عن المبلغ الذي دفعه للبائع محسوبة هذه الفائدة من تاريخ عملية الشراء إلى تاريخ الاستحقاق (15). وهذه المعاملة غير جائزة شرعاً، لأنها تؤول إلى ربا النسيئة المحرم (16). وفقا لما قرر مجمع الفقه الإسلام.
ونلخص مما سبق إلى أن الوصول إلى جواز المعاملات المالية المعاصر أيا كانت صورتها سواء كانت أوراقًا مالية أو نقدية أو تجارية، وأيًا كان طريقة التعامل بها بين أطرفها إنما يكون بعرضها على علة الربا والتأكد من خلوها من الربا المحرم بأنواعه. وذلك كخطوة أولى في تنقية المعاملات المالية من العلل المحرمة. وسوف اتناول علة أخرى من العلل الكبرى في مقال لاحق.

(1) الربا والمعاملات المصرفية في نظر الشريعة الإسلامية: لعمر المترك، اعتنى به: بكر أبو زيد، ط2 دار العاصمة 1416هــ/1995م: 43.
(2) الربا والمعاملات المصرفية في نظر الشريعة الإسلامية: 140،139،55، العلل الأساسية للمعاملات المالية المحرمة: لخالد بن عبد العزيز آل سليمان، دار كنوز إشبيليا: 44.
(3) العلل الأساسية للمعاملات المالية المحرمة: 45.
(4) الإجماع: لابن المنذر، ت: فؤاد عبد المنعم أحمد، ط1 دار المسلم 1425هـ/2004م: 99، المغني: لابن قدامة: ت: عبد اللَّه بن عبد المحسن التركي، عبد الفتاح الحلو، ط3 دار عالم الكتب، الرياض1417هـ/1997م: 6/436.
(5) العلل الأساسية للمعاملات المالية المحرمة: 46.
(6) المجموع: للنووي، دار الفكر: 10/24، الفتح الرباني: للساعاتي: ط 2 دار إحياء التراث العربي: 15:83.
(7) المعاملات المصرفية ورأي الإسلام فيها: لمحمد عبد الله العربي، مطبعة يوسف، القاهرة 1385هـ/1965م: 35.
(8) العلل الأساسية للمعاملات المالية المحرمة: 64،62.
(9) وهذا تعريف مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي ضمن قرار رقم: 108 (2/12)، في دورته الثانية عشرة بالرياض، من 25 جمادى الآخرة 1421هـ إلى غرة رجب 1421هـ (28-23 سبتمبر 2000م).
(10) المرجع السابق.
(11) وهذ تعريف مجلس مجمع الفقه الإسلامي ضمن قرار رقم: 60 (6/11) المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من 17-23 شعبان 1410هـ الموافق 14-20 مارس 1990م. وهو ضمن النتائج المقدمة في ندوة الأسواق المالية المنعقدة في الرباط 20 – 24 ربيع الثاني 1410هـ / 20 – 24 /10 / 1989م.
(12) المرجع السابق.
(13) الربا والمعاملات المصرفية: 345.
(14) مجلس مجمع الفقه الإسلامي ضمن قرار رقم: 86 (3/9) المنعقد في دورة مؤتمره التاسع بأبي ظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة من 1- 6 ذي القعدة 1415هـ الموافق 1- 6 أبريل 1995م.
(15) الربا والمعاملات المصرفية: 396.
(16) مجلس مجمع الفقه الإسلامي ضمن قرار رقم: 64 (2/7) واستكمالاً للقرار 51 (2/6) المنعقد في دورة مؤتمره السابع بجدة في المملكة العربية السعودية من 7-12 ذي القعدة 1412هـ الموافق 9 – 14 مايو 1992م.

Comments are disabled.