ضبط المعاملات المالية المعاصرة في ضوء العلل المحرمة “علة الـغرر”

إعداد الدكتور: محـــمــد عبد الحليم هـــيكـل
مراجعة الأستاذ الدكتور: فياض عبد المنعم حسانين

تناولت في مقال سابق ضبط المعاملات المالية المعاصرة في ضوء علة الربا، واتناول في هذا المقال علة الغرر، وبعض التطبيقات المعاصرة التي اشتملت عليه.
والغرر: هو ما لا يعلم حصوله أو لا يقدر على تسليمه، أو لا يعرف حقيقته ‌ومقداره (1). وهو على ثلاثة أنواع: إما المعدوم (2): كحبل الحبلة وبيع السنين، وإما المعجوز عن تسليمه: كالعبد الآبق؛ وإما المجهول المطلق أو المعيَّنُ: المجهول جنسه أو قدرُهُ أو صفاتُهُ، كقوله: بعتك عبدًا، أو: بعتُكَ ما في بيتي، أو بعتك عبيدي (3). فهو معاوضة احتمالية نتيجتها ربح أحد الطرفين وخسارة الآخر.
ومنع الغررِ أصل عظيم من أصول الشريعة، في باب المعاملات في المبايعات، وسائر المعاوضات؛ وذلك لأن الناس في ضرورة إلى المعاوضات؛ واقتضت حكمة الله تحقيق هذا المقصود، مع نفي الغرر عن مصادر العقود، ومواردها؛ لتتمم بذلك مصالح العباد، وتُحصَّنَ أموالهم من الضياع، وتُقطع المنازعات والمخاصمات بينهم (4).
ويُعد الغرر أكثر علل التحريم حضورًا في آحاد نصوص السنة النبوية التفصيلية، والأصل في ذلك نهي النبي صلى الله عليه وسلم:” عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ”(5). وهذا الحديث هو الأصل في أحكام الغرر في العقود. وهو أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، ويدخل فيه مسائل كثيرة ‌غير ‌منحصرة (6)، وقد أوصلها بعض العلماء إلى عشرين صورة، واستدل عليها بقرابة أحد عشر حديثًا(7).
والغرر قد يكون في صيغة العقد وله ست صور: كأن يكون العقد متضمنًا بيعتين في بيعة أو صفقتين في صفقة، أو بيع العربون، أو بيع الحصاة، أو بيع الملامسة، أو المنابذة، أو العقد المعلق أو المضاف. وقد يكون الغرر في محل العقد – أي المعقود عليه- وله تسع صور: كالجهل بنوع المعقود علية، أو جنسه، أو ذاته، أو صفته، أو مقداره، أو أجله، أو القدرة على عدم التسليم، أو التعاقد على المعدوم، أو عدم رؤية المعقود عليه (8).
وإذا كان انتشار الغرر بهذه المثابة فكيف نميز بين الغرر المؤثر في بطلان العقد، وغير المؤثر؟! ولذلك قعد العلماء قاعدتين لضبط الغرر في العقود وهما:
القاعدة الأولى: أن الغرر يؤثر في سائر عقود المعاوضات المالية، قياساً على عقد البيع، الذي ورد النص بتأثير الغرر فيه. ولا خلاف بين الفقهاء في أصل هذه القاعدة، وإنما يختلفون في تطبيقها على نحو اختلافهم في تطبيقها في عقد البيع – وهذا يكون في الحالات الوسط التي يتردد فيها الغرر بين الكثير واليسير، فيلحقه فقيه بالكثير، ويفسد به العقد، ويلحقه آخر باليسير ويصحح به العقد(9). وعلة المنع أن عقود المعاوضات مبنية على المشاحة، ولو جاءت على غير ما كان يأمله العاقد فسوف يؤثر ذلك على رضاه، ويوغر صدره على العاقد الثاني.
القاعدة الثانية: أن جميع عقود التبرعات لا يؤثر الغرر في صحتها (10)، وذلك لأن المتبرع متطوع ومحسن فلا تثريب على الغرر الذي يأتي من جهته، كما أنه لا يكترث بالغرر الذي يجده من الطرف المنتفع بالتبرع. كما أن نفي جميع الغرر في العقود لا يقدر عليه، ‌وهو ‌يضيق ‌أبواب المعاملات (11).
وقد نص العلماء على أن الغرر المؤثر هو الغرر الكثير- وهو ما كان غالباً في العقد حتى صار العقد يوصف به-، ويكون في عقود المعاوضات المالية، ويكون في المعقود عليه أصالة، ولم تدع للعقد حاجة، فالغرر المؤثر هو ما تحققت فيه أربعة شروط، بحيث لو تخلف واحد منها يكون الغرر معفيَّاً عنه حينئذ (12).
ونهي الشارع عن الغرر تحقيقًا للعدل وحماية للأموال من أن تؤكل بالباطل لأن -الغرر- من جنس القمار الذي هو الميسر، والله حرم ذلك لما فيه من أكل المال بالباطل، وذلك من الظلم الذي حرمه الله (13)، كذلك منع الغرر فيه حفظ لأحد الضروريات الخمس وهو المال؛ لأن السماح بدخول المسلم في معاملات عالية المخاطر؛ يعرض ماله للتلف والضياع، والشريعة قد صانت الأموال، ومنعت من كل ما يؤدي إلى هلاكها، وفي منعه كذلك حفاظٌ على أواصر الأخوة والمحبة بين أبناء المجتمع المسلم، وسدًا لباب العداوة والبغضاء، ومنعًا لمظان الخصومات(14).
وهناك معاملات مالية معاصرة اشتملت على الغرر، وكان سببًا للقول بتحريمها؛ وسأقتصر على ذكر معاملتين:
المعاملة الأولى: عقد التأمين التجاري: وهو التزام طرف لآخر بتعويض نقدي يدفعه له، أو لمن يُعَيِّنُهُ، عند تحقق حادث احتمالي مبيَّن في العقد، مقابل ما يدفعه له هذا الآخر من مبلغ نقدي في قسط أو نحوه (15). وذهب جمهور العلماء المعاصرين إلى القول بعدم جواز التأمين التجاري. لما فيه من غرر فاحش ومقامرة ظاهرة (16)، ووجه الغرر فيه المخاطرة؛ لأن طالب التأمين لا يستطيع أن يعرف وقت العقد مقدار ما يعطي أو يأخذ، وكذلك الشركة المؤمنة لا تستطيع أن تحدد ما تعطي وتأخذ بالنسبة لكل عقد بمفرده.
المعاملة الثانية: البيوع الآجلة في البورصة: وهي البيوع التي لا يلتزم البائع بالتسليم الناقل للملكية، ولا يلتزم المشتري بدفع الثمن إلا بعد أجل يحل في يوم معين يسمى بيوم التصفية (17). كأن يتعاقد اثنان على إحدى السلع أو الأسهم بمليون دولار، بحيث يكون العوضان مؤجلان بعد شهر وبعد مضي الشهر: إذا وصلت القيمة في البورصة إلى ۹۰۰ ألف دولار، يدفع المشتري للبائع ۱۰۰ ألف دولار، بينما لو وصلت القيمة عند ذلك الأجل إلى مليون و۱۰۰ ألف دولار، فالبائع هو الذي يدفع ١٠٠ ألف دولار.
وهذا النوع من العقود غير جائز، لما فيها من غرر فاحش ومخاطرة على الكسب والربح، كالمقامرة؛ لأن من أهم سمات البورصات التذبذب الحاد وارتفاع المخاطرة، مما يجعل العقود الآجلة فيها حبلى بشتى صور المفاجآت التي يصعب التحرّز منها، وهذا بلا شك يعمق الغرر والخطر، ويجعلهما صفتين ملازمتين لهذا النوع من العقود. ووجه المراهنة فيه: أن البائع يراهن على هبوط السعر، ويراهن المشتري على صعوده، ويفوز منهما من يصدق تنبؤه، ويكسب الفرق بين الأسعار (18).
ونلخص من هذا المقال أن الغرر يؤثر في العقود “عقود المعاوضات”، ويجب أن تخلو منه تلك العقود سواء كان في صيغة العقد أو في محله، وجواز المعاملة مشروط بخلوها من الغرر، وذلك كخطوة ثانية في تنقية المعاملات المالية من العلل المحرمة. وسوف اتناول علة أخرى من العلل الكبرى في مقال لاحق.

(1) زاد المعاد: لابن القيم، ط3 دار عطاءات العلم، الرياض/ دار ابن حزم، بيروت 1440هـ/2019م: 6/510.
(2) كل معدوم مجهول الوجود في المستقبل لا يجوز بيعه، وكل معدوم محقق الوجود في المستقبل، بحسب العادة، يجوز بيعه. انظر: الغرر في العقود وآثاره في التطبيقات المعاصرة: للصديق الضرير، ط1 البنك الإسلامي للتنمية، جدة 1414هـ/1993م: 29.
(3) مجموع الفتاوى: لابن تيمية: 29/25.
(4) تخريج الفروع على الأصول: للزَّنْجاني، ت: محمد أديب صالح، ط2 مؤسسة الرسالة، بيروت: 145، شرح الطيبي على مشكاة المصابيح: للطيبي، ت: عبد الحميد هنداوي، ط1 مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة/ الرياض 1417م/1997م: 2148.
(5) صحيح مسلم: 3/1153 (1513) كتاب البيوع، باب بطلان بيع الحصاة، والبيع الذي فيه غرر.
(6) شرح النووي على مسلم: ط2 دار إحياء التراث العربي، بيروت 1392هـ/1972م: 10/156.
(7) نيل الأوطار: للشوكاني، ت: عصام الدين الصبابطي، ط1 دار الحديث، مصر 1413هـ/1993م: 5/174 وما بعدها.
(8) الغرر في العقود وآثاره في التطبيقات المعاصرة: للصديق الضرير: 12.
(9) المرجع السابق: 39،32.
(10) الفروق: للقرافي، عالم الكتب، ب. ط، ب. ت: 1/151،150، مجموع الفتاوى: لابن تيمية:
(11) الاعتصام: للشاطبي ت: سليم بن عيد الهلالي، ط1 دار ابن عفان، السعودية 1413هـ/1993م: 2/ 644.
(12) الغرر في العقود وآثاره في التطبيقات المعاصرة: للصديق الضرير: 39.
(13) زاد المعاد: لابن القيم: 6/518.
(14) العلل الأساسية للمعاملات المالية المحرمة: لخالد بن عبد العزيز آل سليمان، دار كنوز إشبيليا: 107،105.
(15) التأمين وأحكامه: لسليمان بن إبراهيم بن ثنيان، ط1 دار العواصم المتحدة، بيروت 1414هـ/1993م: 40.
(16) مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي قرار رقم: 9(9/2) في دورة انعقاد مؤتمره الثاني بجدة من 10-16 ربيع الآخر 1406هـ /22 – 28 ديسمبر 1985م.
(17) نظرية الغرر في الشريعة والقانون “دراسة مقارنة”: لياسين درادكة، وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية: 2/255.
(18)الغرر في العقود وآثاره في التطبيقات المعاصرة: للصديق الضرير: 55، نظرية الغرر في الشريعة والقانون: لياسين درادكة: 2/255.

Comments are disabled.