ضبط المعاملات المالية المعاصرة في ضوء العلل المحرمة “علة الـظلـم”

إعداد الدكتور: محـــمــد عبد الحليم هـــيكـل
مراجعة الأستاذ الدكتور: فياض عبد المنعم حسانين

تناولت في مقال سابق ضبط المعاملات المالية المعاصرة في ضوء علة التغرير، واتناول في هذا المقال علة الظلم، وبعض التطبيقات المعاصرة التي اشتملت عليه.
الظلم في اللغة: هو وضعُ الشيء في غير موضعه تعديًا (1). وقيل: وضع الشيء في غير موضعه المختص به؛ إما بنقصان أو زيادة؛ وإمَّا بعدولٍ عن وقتِه، أو مكانه (2). أما الظلم باعتباره علة لتحريم معاملة مالية بين شخصين يقصد به: التعامل المالي الذي يترتب عليه أَخُذُ أحد العاقدين مالًا بغير حق تعديًا (3).
وقد اتفقت الشرائع الإلهيَّة، على وجوب العدل في كل شيء، وعلى كل أحد؛ وتحريم الظلم في كل شيء وعلى كل أحد، فأرسل الله عز وجل الرسل، وأنزل معهم الكتاب والميزان؛ ليقوم الناس بالقسط والعدل في حقوقه -جلّ شأنه – وفي حقوق عباده (4)، كما قال تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ ‌وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْط﴾ [الحديد: ٢٥].
وتأكيدًا لوجوب العدل، وتحريم الظلم، حرم الله الظلم على نفسه أولاً، ثم جعله بين الخلق محرمًا، فقال تعالى في الحديث القدسي:” يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا(5)، فالظُّلم لا يباح شيء منه بحال، والعدل واجب في جميع الأحوال، فلا يحل لأحدٍ أن يظلم غيره، سواء كان مسلماً أو كافراً(6)، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ ‌شُهَدَاءَ ‌بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 8].
والظلم أصل الفساد، والعدل أصل الفلاح، به تقوم مصالح العباد في المعاش والمعاد، فلا غنى بالناس عنه على كل حال. فهو أوجب الواجبات، وأفرض الطَّاعات (7). ولما كانت التجارات والمعاملات مظنة حصول الظلم بين الناس، وأكل أموالهم بالباطل؛ كان منع الظلم، وتحريمه من أهم مقاصد الشريعة، في باب المعاملات والتجارات، فمنع الظلم، ووجوب العدل من أكبر قواعد الشريعة في باب المعاملات، وأهمها (8).
وأدلة تحريم الظلم ومنع أكل أموال الناس بالباطل، ووجوب إقامة العدل كثيرة جدًا، منها قول صلى الله عليه وسلم:” كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ(9). فتبين من هذا أنَّ العدل، ومنع الظلم، أصل واجب في جميع المعاملات من البياعات، والإجارات والمشاركات، والوكالات، والهبات، ونحو ذلك؛ لأنه لا تستقيم للناس معاملاتهم إلَّا بذلك (10).
كما أن جميع ما جاء النهي عنه من المعاملات في الكتاب والسنة، يعود في الحقيقة إلى إقامة العدل، ونفي الظلم. فالشارع الحكيم نهى عن الربا والميسر؛ لما فيهما من الظلم وأكل المال بالباطل، ونهى عن أنواع كثيرة من البيوع؛ لما فيها من الظلم والبغي بغير الحق، وأكل المال بالباطل، ومن هذا: النهي عن البيع على بيع أخيه المسلم، وعن تلقي السلع وعن الغبن، وعن الغش، وعن التدليس على الناس بتزيين السلع الرديئة، والبضائع المزجاة، وتوريطهم بشرائها (11). وغير ذلك كثير؛ فإن عامة ما نهي عنه من المعاملات يرجع المعنى فيها إلى منع الظلم.
ويمكن ضبط الظلم المؤثر في تحريم المعاملة المالية من خلال معرفة الرضا بالظلم في البيع من عدمه، وذلك على ثلاث حالات (12): –
الحالة الأولى: أن يكون المأخوذ منه المال ظلماً غير عالم بتعدي الآخذ -لحظة أخذه له-؛ كأن يأخذه بالخديعة والتدليس. الحالة الثانية: أن يكون عالمًا بتعديه ولكنه غير راضي به؛ كأن يأخذه بالإكراه على البيع بغير حق. الحالة الثالثة: أن يكون عالمًا بالتعدي وراضيًا به ولكن تحت دافع الحاجة؛ كأن يأخذه بالربا.
ووجه الظلم في الحالتين الأولى والثانية ظاهر. أما الحالة الثالثة؛ فلا لأن التعدي ضرر على الإنسان والإنسان لا يرضى على نفسه بالضرر إلا إذا كان مضطرًا أو محتاجًا، فلا يجوز للطرف الثاني استغلال افتقار الآخرين إليه للضغط عليهم من أجل تحقيق مآربه على حساب تنازلهم عن حقوقهم.
والظلم في حق العباد نوعان: نوع يحصل بغير رضا صاحبه كقتل نفسه وأخذ ماله وانتهاك عرضه ونوع يكون برضا صاحبه وهو ظلم كمعاملة الربا والميسر فإن ذلك حرام لما فيه من أكل مال غيره بالباطل وأكل المال بالباطل ظلم؛ ولو رضي به صاحبه لم يبح ولم يخرج عن أن يكون ظلماً فليس كل ما طابت به نفس صاحبه يخرج عن الظلم وليس كل ما كرهه باذله يكون ظلماً بل القسمة رباعية (13).
وبذلك يكون الظلم شامل لجميع المحرمات المالية؛ لأن عامة ما نهى عنه الكتاب والسنة من المعاملات يعود إلى تحقيق العدل والنهي عن الظلم دقه وجله؛ مثل أكل المال بالباطل وجنسه من الربا والميسر وأنواع الربا والميسر التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم مثل بيع الغرر وبيع حبل الحبلة وبيع الطير في الهواء والسمك في الماء والبيع إلى أجل غير مسمى وبيع المصراة وبيع المدلس والملامسة والمنابذة والمزابنة والمحاقلة والنجش وبيع الثمر قبل بدو صلاحه وما نهى عنه من أنواع المشاركات (14).
وقد سبق القول بأن علل التحريم الكبرى الثلاثة “الربا والغرر والتغرير” داخلة في علة الظلم؛ فما الحكمة من إفراد علة للظلم إذن؟ لا شك أن العلل الثلاثة هي عين الظلم، ولكن هناك بعض الصور قد لا يظهر وجه دخولها في العلل الثلاث، وعلة الظلم فيها ظاهرة، وذلك بتحقق ضابط الظلم فيها وهو” اشتمال المعاملة على تعدٍ على مال الآخرين وأخذه بدون وجه حق”، فإذا كانت المعاملة خالية من العلل الأخرى وتوفر فيها هذا الضابط، كان وجه التحريم الظلم فقط، وإذا اشتملت على علة أخرى كالربا مثلًا، كان علة التحريم هي: الربا والظلم معًا.
ولعل من أبرز المعاملات التي اشتملت على علة الظلم دون غيرها من العلل: بيع الرجل على بيع أخية، وسومه على سومه، وذلك في نهيه صلى الله عليه وسلم:” لَا يَبِعِ الرَّجُلُ ‌عَلَى ‌بَيْعِ ‌أَخِيهِ(15). وقوله صلى الله عليه وسلم:” لَا يَسُمِ الْمُسْلِمُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ”(16). فبعرض المعاملتين على العلل المحرمة لم تظهر سوى علة الظلم. وحرف الجر “على” في الحديثين بمعنى الاستعلاء، وهذا يعني أن علة النهي في ذلك استعلاء على أخيه ظلماً، وانتزاعًا لحقه بغير رضاه، فكان التحريم لعلة الظلم.
كذلك نهي صلى الله عليه وسلم عن التسعير فقال: “إِنَّ اللَّهَ هُوَ ‌الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يُطَالِبُنِي بِمَظْلَمَةٍ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ(17). وقال:” مَنِ ‌احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ(18). وقال:” مَنِ احْتَكَرَ حُكْرَةً، يُرِيدُ أَنْ يُغْلِيَ بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَهُوَ خَاطِئٌ(19). فعلة تحريم التسعير بمنطوق الحديث الظلم. والاحتكار يظهر من الحديثين أن علة النهي عنه لما فيه من ظلم للمسلمين.
ونهى الشارع عن الظلم لأن العدل ومنع الظلم يعد من أهم المقاصد الشرعية للمعاملات المالية (20). والظلم بجميع أشكاله “سواء أكان في العقود المالية أم غيرها” له أضرار وخيمة، ومع تراكمها تصل إلى إفساد الحياة برمتها، وفي المقابل فإن العدل هو أساس الصلاح، وقوام الحياة للبشرية جمعاء(21). كما أنه يورث العداوة والبغضاء بين الناس، ويؤدي إلى التنازع والخصومة.
وأما عن المعاملات المالية المعاصرة التي اشتملت على الظلم، وكان سببًا لتحريمها فكثيرة؛ وسأقتصر على تطبيقين:
التطبيق الأولى: قضاء الديون النقدية التي طرأ عليها الكساد أو التضخم المفرط: وذلك من خلال: الانتقال من تسديد مثل عدد تلك العملة التي في الذمة إلى تسديد ما كان يساوي قيمتها عند العقد، وهذا ما رجحه مجمع الفقه الدولي (22). وعللوا ذلك: بأن المدين لو رد مثل العملة التي طرأ عليها الكساد أو التضخم المفرط، لكان في ذلك ظلم ظاهر للدائن؛ لأن العملة الكاسدة لا نفع فيها ألبتة، والعملة المتضخمة تضخماً مفرطًا نقص نفعها بشكل كبير فصارت في حكم الكاسدة، والدائن إنما سلم المدين عملة نافعة، ولا يرتفع هذان الظلمان “الكساد والتضخم المفرط” إلا بالانتقال إلى القيمة.
التطبيق الثانية: تعمد بخس الآخرين حقوقهم عند التعاقد معهم، استغلالًا لحاجتهم إلى المعقود عليه: فلو كان للإنسان حق الاكتتاب عن نفسه وأفراد عائلته في شركة ما، واقترب الأجل النهائي للاكتتاب لكن ليس عنده قدرة مالية على الاكتتاب، فاستغل أحدهم ضيق الوقت وعرض عليه شراء حقه بثمن بخس.
فالظاهر أنه يحرم على المشتري إسقاط ما دون أجرة المثل، وللبائع حق المطالبة بالتعويض قضاء؛ لعدة علل، منها: أن في ذلك ظلم ظاهر للبائع؛ لأن المشترى قد استغل حاجة البائع للبيع، فألجأه إلى القبول بسعر أقل من قيمة المثل، تحت ضغط عامل ضيق الوقت الذي يحول بين البائع والبحث عن الخيارات المالية الأخرى (23).
ونلخص من هذا المقال أن الشارع حرم الظلم وجعله أصل الفساد، كما أن جميع ما جاء النهي عنه من المعاملات في الكتاب والسنة بجميع صوره وأشكاله يرجع إلى علة الظلم. كما أن جواز المعاملة مشروط بخلوها من الظلم، وذلك كخطوة رابعة في تنقية المعاملات المالية من العلل المحرمة. وسوف اتناول علة أخرى من العلل الكبرى في مقال لاحق.

(1) مقاييس اللغة: لابن فارس: 3/468، لسان العرب: لابن منظور: 12/373.
(2) عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ: للسمين الحلبي: ت: محمد باسل عيون السود، ط1 دار الكتب العلمية، بيروت 1417هـ/1996م: 3/9.
(3) العلل الأساسية في المعاملات المالية المحرمة: لخالد بن عبد العزيز آل سليمان، دار كنوز إشبيليا: 140.
(4) انظر: مجموع الفتاوى: 30/240،237.
(5) صحيح مسلم: 4/1994 (2577) كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم.
(6) مجموع الفتاوى: 18/166.
(7) الداء والدواء: لابن القيم، ط1 دار المعرفة، المغرب 1418هـ/1997م: 128.
(8) انظر: أصول في المعاملات المالية المعاصرة: لخالد المصلح، ط1 مكتبة الرشد، الرياض 1441هـ/2019م: 31.
(9) صحيح مسلم: 4/1986 (2564) كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم، وخذله، واحتقاره ودمه، وعرضه، وماله.
(10) مجموع الفتاوى: لابن تيمية: 28/385.
(11) تفسير المنار: لمحمد رشيد رضا، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1410هـ/1990م: 2/158.
(12) العلل الأساسية في المعاملات المالية المحرمة: لخالد بن عبد العزيز آل سليمان: 143.
(13) مجموع الفتاوى: لابن تيمية: 20/79. والقسم الرباعية تشمل: ما طابت به نفسه وليس فيه ظلم، وما طابت به نفسه وفيه ظلم، وما لم تم تطب به نفسه وفيه ظلم، وما لم تطب به نفسه وليس فيه ظلم.
(14) المرجع السابق: 28/385.
(15) صحيح البخاري: 3/69 (2139) كتاب البيوع، باب لا يبيع ‌على ‌بيع ‌أخيه ولا يسوم على سوم أخيه حتى يأذن له أو يترك، صحيح مسلم واللفظ له: 2/1032 (1412) كتاب النكاح، باب تحريم الخطبة على خطبة أخيه، حتى يأذن أو يترك.
(16) صحيح مسلم واللفظ له: 2/1033 (1413) كتاب النكاح، باب تحريم الخطبة على خطبة أخيه، حتى يأذن أو يترك
(17) سنن أبي داود واللفظ له: 3/272 (3451) أبواب الإجارة، باب في التسعير، سنن ابن ماجة: 3/319 (2200) أبواب التجارات، باب من كره أن يسعر.
(18) صحيح مسلم: 3/1227 (1605) كتاب المساقاة، باب تحريم الاحتكار في الأقوات.
(19) مسند أحمد: 14/265 (8617).
(20) مقاصد الشريعة الإسلامية: لابن عاشور، تقديم: حاتم أبو سنة، دار الكتاب المصري، القاهرة/ دار الكتاب اللبناني، بيروت 2011م: 306.
(21) المقدمة: لابن خلدون، ت: خليل شحادة، ط2 دار الفكر، بيروت 1408هـ/1988م: 1/356.
(22) التضخم النقدي في الفقه الإسلامي: لخالد المصلح، ط1 دار ابن الجوزي – الرياض 1438هـ/ 2017م: 210،194.
(23) العلل الأساسية في المعاملات المالية المحرمة: لخالد بن عبد العزيز آل سليمان: 158.

Comments are disabled.