ضبط المعاملات المالية المعاصرة في ضوء العلل المحرمة

إعداد الدكتور: محـــمــد عبد الحليم هـــيكـل
مراجعة الأستاذ الدكتور: فياض عبد المنعم حسانين

من أهم سمات أحكام الشريعة الإسلامية في المعاملات المالية: التوسعة على المتعاقدين وترك الخيار لهم للتوافق على ما يحقق مصالحهم، شريطة أن يكون نيل هذه المصالح بشكل عادل؛ إذ الأصل في المعاملات المالية التي يتراضى عليها العاقدان الإباحة(1)، على أن تخلو المعاملة من الباطل والظلم وسائر العلل المحرمة، وهذا أصل عظيم ترجع إليه جميع أحكام المعاملات المالية؛ قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ ‌بَيْنَكُمْ ‌بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29].
وهذا يعني أن الشريعة أبقت دائرة المشروع في العقود والمعاملات مفتوحة للجهد البشري، من أجل الابتكار والتجديد، وحددت وضيقت دائرة الحرام وبهذا لم يقف الفقه المالي، ولن يقف عاجزًا عن مواكبة التطورات، فإذا عُرضت عقود مستجدة على الفقهاء، أعملوا قواعد الاجتهاد في مثل هذا النوع من العقود، بالبحث عما يشبهها من العقود الشرعية المسماة (2).
وقاعدة الأصل في المعاملات المالية الإباحة، مجال تطبيقها الرئيس في العقود غير المسماة، وهي العقود المستحدثة التي ليس لها نظائر في النصوص. فالقائل بإباحة هذه العقود لا يجب عليه إقامة الدليل على الإباحة؛ لأنه متمسك بالأصل “وهو هذه القاعدة“، وإنما الواجب عليه بذل الجهد الكافي للتأكد من انتفاء المحاذير الشرعية فحسب، وهذا هو شرط العمل بهذه القاعدة.
وهو ما عبر عنه شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله:” فلا يجوز القول بموجب هذه القاعدة في أنواع المسائل وأعيانها إلا بعد الاجتهاد في خصوص ذلك النوع أو المسألة: هل ورد من الأدلة الشرعية ما يقتضي التحريم أم لا؟. أما إذا كان المدرك الاستصحاب ونفي الدليل الشرعي: فقد أجمع المسلمون وعلم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا يجوز لأحد أن يعتقد ويفتي بموجب هذا الاستصحاب والنفي إلا بعد البحث عن الأدلة الخاصة إذا كان من أهل ذلك؛ فإن جميع ما أوجبه الله ورسوله وحرمه الله ورسوله مغيِّـرٌ لهذا الاستصحاب، فلا يوثق به إلا بعد النظر في أدلة الشرع لمن هو من أهل ذلك (3).
والغاية من ضبط هذه العلل أن المعاملات المالية من أكثر المسائل تجدداً، مما يجعلها من الأهمية بمكان ببحثها من الناحية الشرعية ليسلكها الناس على علم وبينة، فما كان من حلال أحللناه، وما كان منها من حرام حرمناه واجتنبناه، وذلك من خلال عرض العقد الذي يتراضى عليه العاقدان على العلل المحرمة، ومتى ما خلا من تلك العلل، فإن قواعد الشريعة العامة ومقاصدها الكلية تقتضي إباحته؛ لأنه عمل مقصود للناس، ينشدون منه تحقيق مصالحهم، وتلبية حاجاتهم، وقد خلا من المحاذير الشرعية، فتعين القول بإباحته؛ لأن الشريعة جاءت لتحقيق مصالح العباد، ورفع الحرج عنهم (4).
وصور هذه العلل التي تتشعب منها المعاملات المالية المحرمة كثيرة ومتنوعة ويمكن تحديد مظانها وحصر العلل الأساسية التي ترجع إليها تلك المحاذير الشرعية من خلال ما تتبع العلماء لها، وممن تتبع هذه العلل خمسة علماء هم: –
القاضي أبو بكر ابن العربي (ت ٤٥٣هـ): وجميع العلل المحرمة عنده تؤول إلى أربع علل أساسية وهي: الربا والغرر والباطل وتحقيق مصالح الخلق والتأليف بينهم (5). والقاضي ابن رشد الحفيد (ت ٥٩٥هـ): وجميع العلل المحرمة عنده تؤول إلى ثماني علل؛ وهي: تحريم عين المبيع والربا والغرر والشروط التي تؤول إلى أحد هذين أو لمجموعهما والغش والضرر ومكان الوقت المستحق بما هو أهم منه، ومنها ‌لأنها ‌محرمة ‌البيع، وعند التحقيق فيها تؤول إلى أربع علل هي: الربا، والغرر، والغش، والضرر (6). وشيخ الإسلام ابن تيمية (ت٧٢٨هـ): وجميع العلل المحرمة عنده تؤول إلى: الربا والميسر “الغرر ” وأرجعهما إلى علة ثالثة وهي الظلم (7). والشيخ عبد الله البسام (ت ١٤٢٣هـ)، والشيخ بكر أبو زيد (ت 1429هـ). توافقا على أن التحريم في المعاملات المالية يعود إلى ثلاث علل؛ وهي: الربا والغرر والتغرير “الغش” وارجعاها إلى الظلم (8).
وبالتوفيق بين هذه الأقوال للعلماء الخمسة يتحصل لنا خمس علل؛ هي: الربا والغرر والتغرير والظلم والضرر. وبعد استقراء المناهي الشرعية في المعاملات المالية الواردة في الكتاب والسنة، والبحث عن المعاني والعلل التي ترجع إليها جميع المعاملات المالية المحرمة: تم التوصل إلى نفس النتيجة، وهي أنها ترجع إلى العلل الخمس المذكورة، ووجه الحصر في هذه العلل الخمسة أن جميع المناهي الشرعية تجمعها علة واحدة وهي علة الضرر؛ لأن أوامر الشريعة جاءت لتحقيق مقصد رئيس وهو جلب المصالح والمنافع، كما أن المناهي جاءت لتحقيق مقصد رئيس وهو درء المفاسد والأضرار (9).
وفي مقدمة هذه الأضرار التي يراد المنع منها في المعاملات: الظلم؛ إذ عامة ما نهى عنه الكتاب والسنة من المعاملات يعود إلى تحقيق العدل والنهي عن الظلم دقِّه وجلِّه (10)؛ لأن جميع المحرمات المالية تعد من أكل أموال الناس بالباطل، وهذ عين الظلم. وكون المتعاقد راضيًا بالمعاملة لا ينفي الظلم لأن الظلم في حق العباد نوعان: نوع يحصل بغير رضا صاحبه كقتل نفسه وأخذ ماله، ونوع يكون برضا صاحبه وهو ظلم كمعاملة الربا والميسر فإن ذلك حرام لما فيه من أكل مال غيره بالباطل وأكل المال بالباطل ظلم؛ ولو رضي به صاحبه لم يبح ولم يخرج عن أن يكون ظلمًا فليس كل ما طابت به نفس صاحبه يخرج عن الظلم وليس كل ما كرهه باذله يكون ظلمًا بل القسمة رباعية (11).
كما أن علتي الضرر والظلم يتضح أنهما يتناولان بعمومهما جميع المحرمات المالية، ولكن الشأن فيهما ألا يجسدان المعاملة المالية المحرمة بشكل مفصل، بينما ثمة علل أخرى تفصيلية ومؤثرة بشكل مباشر في الحكم، بل إن جميع المحرمات المالية لا تكاد تند عنها؛ ألا وهي: الربا، والغرر، والتغرير، ولو خرجت بعض الصور عن هذه العلل، أو لم يتضح وجه دخولها فيها، فهي ستدخل في علة الظلم، ولو لم يتضح وجه دخولها في علة الظلم فهي لن تخرج عن علة الضرر بأي حال من الأحوال؛ لأن الشارع الحكيم لا ينهى عن شيء إلا إذا كان فيه ضرر على العباد، في الحال أو المال، أو هما معًا (12).
ويمكن الاستفادة من حصر هذه العلل في فهم المعاملات المالية المستجدة، والتأكد من خلوها من النواهي الشرعية، من خلال عرض المجتهد المعاملة على العلل الثلاث الأُوَل؛ وهي الربا والغرر والتغرير. فإذا سلمت منها يعرضها على علة الظلم، ثم الضرر. فإذا سلمت منهما: ساغ له “في الجملة” الحكم عليها بالإباحة حينئذ؛ بناء على تحقق شرط العمل بقاعدة: الأصل في المعاملات المالية الإباحة (13). وبذلك نستطيع ضبط وتمييز المعاملات المالية الجديدة وإصدار الحكم الشرعي المناسب لها بالجواز أو المنع. وسوف أتناول كل علة من هذه العلل على حدة في مقال مستقل إن شاء الله.

(1) موسوعة القواعد والضوابط الفقهية الحاكمة للمعاملات المالية في الفقه الإسلامي: لعلي أحمد الندوي، 1419م/1999م: 1/221، وما بعدها.
(2) صناعة الهندسة المالية نظرات في المنهج الإسلامي: لسامي السويلم، مركز البحوث شركة الراجحي المصرفية للاستثمار، بيت المشورة للتدريب، 2004م: 10 بتصرف.
(3) مجموع الفتاوى: لابن تيمية: ت: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد، السعودية 1416هـ/1995م: 29/165.
(4) المرجع السابق: 29/156 بتصرف.
(5) أحكام القرآن: لأبن العربي: ت: محمد عبد القادر عطا، ط 3 دار الكتب العلمية، بيروت 1434هـ/2003م: 1/137، 324،323.
(6) بداية المجتهد: لابن رشد، دار الحديث – القاهرة، ب. ط 1435هـ/2004م: 3/145.
(7) مجموع الفتاوى: 29/ 22، 20/510.
(8) تيسير العلام شرح عمدة الأحكام: لبعد الله البسام، ت: محمد صبحي بن حسن حلاق، ط10 مكتبة الصحابة، الأمارات/ مكتبة التابعين، القاهرة 1436هـ/2006م: 449، الربا والمعاملات المصرفية في نظر الشريعة الإسلامية: لعمر المترك، دار العاصمة 1416هـ/ 1995م: ب، بطاقات الائتمان: لبكر أبو زيد، بحث منشور على الشبكة العنكبوتية: 2.
(9) العلل الأساسية في المعاملات المالية المحرمة: لخالد بن عبد العزيز آل سليمان، دار كنوز إشبيليا: 34.
(10) مجموع الفتاوى: لابن تيمية: 28/ 385.
(11) مجموع الفتاوى: 20/ 79. والأقسام الأربعة هي:” ما طابت به نفسه وليس فيه ظلم، وما طابت به نفسه وفيه ظلم، وما لم تطب به نفسه وفيه ظلم، وما لم تطب به نفسه وليس فيه ظلم”.
(12) العلل الأساسية في المعاملات المالية المحرمة: 36،35.
(13) المرجع السابق: 37.

Comments are disabled.