العقود الشرعية: عقد الوقف

الأستاذ الدكتور/فياض عبد المنعم
لم يترك الإسلام مجالًا من مجالات الحياة إلا وتدخَّل فيه بالإصلاح والتقويم، وفي هذه المجالات يبرز النشاط الإنساني في تحصيل المال وتنميته، ومن أبرز وسائل تحقيق هذه التنمية التوسع في التبرعات، ومنها التبرع بالمنفعة مع بقاء أصل المِلْك، وهذه هي الخصيصة الرئيسة في الوقف.
والوقف لغة، يعني: الحبس، يقال: وقفت الدار للمساكين؛ أي: منعتها أن تباع أو توهب أو تورث. وشرعًا: تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة؛ أي: قيام الشخص بحبس أصل ماله على ما قصد له من أبواب الخير؛ بحيث لا يجوز التصرف فيه لغير ما وقف له، وورد لفظ (الحبس) في حديث عمر رضي اللَّه عنه؛ حيث قال له النبي صلى اللَّه عليه وسلم: «إن شئت حبَّستَ أصلها، وتصدقتَ بها».
وينقسم الوقف إلى نوعين: خيري، أو أهلي وذري، والخيري: هو الوقف لجهة بر، والأهليُّ: هو الوقف لأشخاص معينين.
والوقف مشروع بالكتاب والسُّنَّة وعمل الصحابة؛ قال اللَّه تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92]. والوقف صدقة جارية؛ فقد صحَّ أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية…». وقد أوقف الصحابة العديد من الأصول المالية مثلما أوقف عمر رضي اللَّه عنه أرض خيبر.
ويُشترط في المال الموقوف أن يكون مملوكًا للواقف عند الوقف، وأن يكون معلومًا غير مجهول، وألا يتعلق به حق الغير، وأن يكون منتفعًا به، وزاد بعضهم: أن يكون منتفعًا به مع بقاء عينه، وأجاز المالكية وقف النقود؛ حيث يمكن الانتفاع ببدلها؛ ولهذا يجوز وقف الودائع في المصارف بأنواعها المختلفة، وأجاز بعض الفقهاء وقف المنافع دون الأعيان، مثل: منفعة عين مستأجرة.
وقد فتح الوقف الباب أمام تأسيس الأنشطة التطوعية التي توفِّر مصدرًا مهمًّا لتقوية المجتمع، وتنمي البحث العلمي، وترعى المحتاجين. وكان الوقف داعمًا لمسيرة الأمة الإسلامية طوال قرون متتالية؛ ويشهد على ذلك الأوقاف المختلفة في بلادنا الإسلامية؛ من أوقاف المدارس والإنفاق على التدريس، وإنشاء المستشفيات والمساجد. وقد صدرت تشريعات حديثة تستهدف حماية الوقف والتوسع فيه.

Comments are disabled.