علاج الأزمات المالية من منظو ر الاقتصاد الإسلامي

الدكتور/ عبد الناصر حمدان بيومي

الأزمة المالية (Financial Crisis): هي حالة اضطراب أو توتر مالي يؤدي إلى تعرض المتعاملين في الأسواق المالية لمشكلات سيولة، مما يستدعي تدخل السلطات القومية لاحتواء تلك الأوضاع، وقد تأخذ الأزمة المالية شكل أزمة مديونية، أو أزمة عملات، أو أزمة مصرفية. (1)
فهي نوع من الاختلال في الأسواق المالية، يضرب التوازن الاقتصادي في دولة أو أكثر، فيختل التوازن بين الطلب والعرض في الأسواق، فنجد زيادة في طلب النقود على عرضها، كما تتقلص السيولة المالية في الأسواق، وذلك حسب نوع الأزمة المالية.
ويرجع العديد من الاقتصاديين السبب في حدوث الأزمات المالية إلى قواعد النظام الاقتصادي الرأسمالي، الذي تسبب في العديد من الأزمات المالية؛ لقيامه على الحرية الفردية المطلقة المنفلتة، الهادفة لتحصيل أقصى ربح دون الالتفات لمشروعية أو عدم مشروعية سبل اكتسابه، كما أنه اقتصاد تغلب على أسواقه المالية المتاجرة في الديون، وضعف إجراءات الرقابة في القطاع المالي؛ وفقًا لمقولتهم المشهورة: “دعه يعمل دعه يمر، والاحتكار والمقامرة، والاقتصاد الوهمي الذي لا قبض فيه؛ كالمشتقات المالية. (2)

أولاً: أنواع الأزمات المالية:

تتنوع الأزمات المالية بين عنيفة وبطيئة، ومحلية عالمية، كما أن بعضها يرتبط بالعملة، وبعضها يرتبط بالديون، وبعضها يرتبط بالبنوك والمؤسسات المالية، وبعضها يرتبط بسوق الأوراق المالية. ومن نتائجها: انخفاض قيمة العملة، أو إفلاس الدول، أو انهيار البنوك والبُرص، ومن الأنواع التي ذكرها صندوق النقد الدولي وغيره: (3)

  1. أزمة العملة (Currency Crisis): أو سعر الصرف، فيحدث انخفاض حاد في سعر صرف العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية، وتلجأ الدول لسحب كمية كبيرة من احتياطاتها الدولية أو رفع سعر الفائدة المحلية؛ للحفاظ على قيمة عملتها.
  2. أزمة الديون الخارجية (Foreign Debt Crisis): وذلك عندما تعجز الدولة المدينة عن سداد أعباء الديون؛ كفوائد وأقساط الديون في أوقاتها، وترغب في إعادة الجدولة للديون.
  3. الأزمة المصرفية (Banking Crisis): حيث تنخفض أصول البنك عن التزاماته؛ لسوء إدارة الائتمان، وزيادة المسحوبات دون ودائع تقابلها، فتختل الميزانية، ويعجز البنك عن الوفاء بالتزاماته. وتنقسم قسمين: إحداهما: أزمة السيولة، فيعجز البنك على الوفاء بالتزاماته التعاقدية؛ لعدم وجود السيولة، فيندفع المودعون للسحب المفاجئ لودائعهم، ويعجز البنك عن الدفع، وتبدأ الأزمة. والأخرى: أزمة تعثر، لتجاوز حجم الخصوم بالبنك حجم أصوله بنسبة كبيرة، وعجز الأصول عن تغطية حقوق المساهمين. وقد كانت الأزمة المالية لعام 2008م من أسوأ الأزمات الاقتصادية التي شهدها العالم، وحدثت نتيجة أحداث متسلسلة أدت إلى انهيار النظام المصرفي.
  4. أزمة ميزان المدفوعات (Balance Of Payment Crisis): نتيجة انخفاض رصيد الدولة من احتياطي النقد الدولي؛ لزيادة الطلب المحلي على الواردات الأجنبية وانخفاض الصادرات المحلية، ووجود عجز مزمن في ميزان المدفوعات للدولة.
  5. أزمة انهيار سوق الأوراق المالية (البُرصة) (Crisis Stock Market Crash): نتيجة انخفاض حاد في أسعار الأسهم والسندات المتداولة، فتنهار البُرصة؛ مما يخلق حالة من الذعر لدى المتعاملين، ويفقدهم الكثير من أموالهم المستثمرة في الأسهم والسندات.

ولابد من الالتفات إلى أن هذه الأزمات ناتجة عن الاختلالات الاقتصادية الهيكلية المتراكمة؛ فضلاً عن اختلال أسعار الأصول والصرف، وهي أزمات مترابطة فيما بينها، وقد تقع مجتمعة متزامنة متراكبة، أو منفردة.

ثانيًا: منهج الإسلام في استثمار وحفظ المال وعلاقته بالأزمة المالية:

اعتنى الإسلام بحفظ المال عناية فائقة؛ لأنه قوام حياة الإنسان، كما اعتنى بالاقتصاد عناية فائقة؛ لأنه عصب حياة المجتمعات؛ وشرع الوسائل والأدوات الكفيلة بتحقيق الازدهار والرخاء الاقتصادي، فمن ناحية الوجود: شرع أدوات الاستثمار الربحية؛ كالبيع والسلم والاستصناع والمشاركة والمضاربة وغيرها، وكذلك الأدوات والمؤسسات غير الربحية؛ كمؤسسة الزكاة والوقف، وصناديق القرض الحسن وغيرها.
ومن ناحية العدم: حرم كل وسائل استثمار الأموال بالسبل المحرّمة؛ كالربا والقمار والغرر وأكل أموال الناس بالباطل وغيرها.
وقد أدى الابتعاد عن المنهج الاقتصادي الإسلامي إلى الوقوع في مستنقع الأزمات المالية والاقتصادية التي وقعت وتقع في العالم قديمًا وحديثًا، من خلال النظام الاشتراكي المنهار، والنظام الرأسمالي الذي أوشك على الانهيار.

ثالثًا: علاج الأزمات المالية في الاقتصاد الإسلامي:

وإذا نظرنا لمنهج الإسلام في الوقاية والعلاج من الأزمات المالية والاقتصادية، وجدنا العديد من المبادئ والسبل التي وضعها الإسلام لعلاج الأزمات المالية والاقتصادية المعاصرة، ومنها:

  1. الاقتصاد الإسلامي مبناه على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات:
    فقد مزج الإسلام بين الأخلاق والاقتصاد، فلا اقتصاد بلا أخلاق، كما أن وجود الأخلاق في الميدان الاقتصادي من أهم عناصر نجاح العملية الاقتصادية في كل مستوياتها. ولهذا أقام الإسلام التبادل في الأسواق على العدل وعدم الظلم، والصدق وعدم الكذب، والإفصاح وعدم الكتمان أو الغش، وحرم الاحتكار والربا والقمار والديون والغرر وأكل أموال الناس بالباطل، وهذا كفيل بتجنب الأزمات المالية، ومعلوم أن الفكر الاقتصادي الرأسمالي يقوم على مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، وكذلك فصل الدين والأخلاق عن المعاملات. كما أن الكذب والفساد والطمع والجشع والاحتيال والمعلومات المضللة والمعاملات الوهمية، ونحوها من الممارسات اللاأخلاقية من جانب المتعاملين في المجال المالي، والتي استشرت في المؤسسات والأسواق المالية العالمية من أهم أسباب الأزمات المعاصرة. والعلاج في تجنب التعامل بهذه المحرّمات، وإعادة مزج الاقتصاد بمكارم الأخلاق.
  2. أهمية وجود أجهزة ومؤسسات رقابية في الوقاية من الأزمات المالية:
    وصورتها العملية في الحضارة الإسلامية مؤسسة الحسبة، التي كانت تقوم عليها الدولة الإسلامية، والتي لعبت دورًا هامًّا في توجيه الحركة الاقتصادية وجهة صائبة، من خلال الرقابة الفعالة على الأنشطة الاقتصادية، وضبط أدوات التبادل، والتسعير العادل للسلع والخدمات؛ إذا اقتضت المصلحة ذلك، ومنع إفساد النقود والتلاعب فيها، أو جعلها متجرًا؛ لأن النقود رُءُوس أموال يَتَّجِرُ بها، ولا يَتَّجِر فيها.
    قال ابن القيم: “فالأثمان لا تقصد لأعيانها، بل يقصد التوصل بها إلى السلع، فإذا صارت في أنفسها سلعًا تقصد لأعيانها، فسد أمر الناس، وهذا معنى معقول يختص بالنقود لا يتعدى إلى سائر الموزونات”. (4)
    وكل ذلك بقصد إقامة العدل والوقاية من الأزمات المالية قبل وقوعها، بالحث على فعل المعروف، وحمل الناس على المصالح العامة، والترهيب من اجتراح المنكرات المفضية إلى زعزعة الاقتصاد واهتزاز أركان السوق. والعلاج في تفعيل دور الأجهزة والمؤسسات الرقابية في كل دولة؛ لضبط الأنشطة الاقتصادية، وتطوير الأنظمة المالية، والحفاظ على حيدة ونزاهة وشمولية وتكامل واستقلالية هذه المؤسسات؛ لتتمكن من خلق سوق آمنة مستقرة؛ تجنب المجتمعات الوقوع في أزمات مالية.
  3. الاقتصاد الإسلامي مبناه على حرمة المعاملات الربوية:
    التي من مفاسدها التضخم، بالارتفاع المستمر في الأسعار، والهبوط المتلاحق للقوة الشرائية للنقود؛ مما يرغم أصحاب السلع والخدمات على رفع أثمانها، ويترتب عليه نقص القوة الشرائية لمحدودي الدخل، وارتفاع أسعار السلع والخدمات، فيقل الطلب أمام العرض، فيحصل الكساد، وتنحسر حركة التداول في الأسواق.
    ومن مفاسدها الاكتناز وعدم الاستثمار: فالمرابي يسترد ماله مع الفائدة الربوية، وبين الربا والاستثمار علاقة عكسية، فكلما ارتفع سعر الفائدة كلما قل الاستثمار والعكس؛ لأن عائد الاستثمار يجب أن يغطي على الأقل فائدة رأس المال المقترض. ولا يزيد الاستثمار إلا إذا انخفض سعر الفائدة.
    ومن المسلمات أن الأزمات الاقتصادية التي هزّت العالم كان سببها الأعباء الباهظة للقروض الربوية الفاسدة. ومثاله أزمة 2008م: حيث قام البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي منذ عام ٢٠٠٤ م برفع سعر الفائدة؛ مما شكل زيادة في أعباء القروض العقارية من حيث خدمتها وسداد أقساطها، وتفاقمت الأزمة بحلول النصف الثاني من عام ٢٠٠٧م، حيث توقف عدد كبير من المقترضين عن سداد الأقساط المالية المستحقة عليهم.
    ومن مشتقات المعاملات الربوية: المتاجرة بالديون؛ فيقترض البنك بفائدة ويقرض بفائدة أعلى، وتزاد الفائدة على من يتأخر في السداد، ويمكن أن يباع الدين إلى شخص ثان وثالث ورابع، وبهذا تنشأ ديون كثيرة متراكمة، بل إن النظام الرأسمالي قائم على جبال من الديون، فإذا حدث تأخر أو امتناع عن السداد، أمكن انهيار هذه الجبال، وأمكن وقوع الأزمات، وكان من أسباب الأزمة الاقتصادية المعاصرة المتاجرة بالديون، وبيعها، والتوسع فيها.

  4. الاقتصاد الإسلامي مبناه على تفعيل دور القطاع المؤسسي غير الربحي في المجتمع:
    كمؤسسة الزكاة والوقف وصناديق القرض الحسن وغيرها، والتي تسهم بدور كبير في استثمار حقيقي للأموال في صورة مشاريع وتوفر المشاريع فرص عمل، وتمكن من القضاء على الفقر والبطالة، وتحقيق التنمية المستدامة، والقضاء على الفوارق بين طبقات المجتمع. كما تسهم مؤسستي الزكاة والوقف في معالجة الأزمات المالية، من خلال تحقيق التقارب بين طبقات المجتمع.
  5. الاقتصاد الإسلامي يقوم على صيغ استثمار وتمويل حقيقية:
    وتطبيق هذه الصيغ كفيل بخروج العالم من الأزمات المالية والاقتصادية، ومن أهمها: صيغ الاستثمار والتمويل القائمة على عقود البيع والاستصناع والسلم والإجارة والصرف والمضاربة والمرابحة والمزارعة والمساقاة ونحوها من المشاركات.

بقيت الإشارة إلى: ضرورة الاستقلال في السياسة النقدية للعالم الإسلامي، وابتكار عملة حقيقية مشتركة بين الدول العربية والإسلامية؛ كالعملة الأوربية اليورو، فقد كانت أشد الدول تأثرًا بالأزمة المالية العالمية عام 2008م، هي الدول المرتبطة بالاقتصاد الأمريكي والعملة الأمريكية الدولار.

(1) راجع مقال: تحليل الأزمة المالية: دروس للنظام المالي الدولي، لآر بورتس، مؤتمر صندوق النقد الدولي، 8-10 أكتوبر 1998م.
(2) المشتقات المالية: لا تتعلق بالاتجار في أسعار وأصول مالية حاضرة بل وهمية لا يمتلكها أيٌّ من الطرفين وقت العقد، وهي مجرد وعود بالبيع والشراء في المستقبل، ويسودها الغرر والجهالة والمقامرة، فحرمتها الشريعة الإسلامية. وقد ذكر التقرير الصادر عن بنك التسويات الدولية في ديسمبر 2008م أن حجم التعامل بالمشتقات المتداولة بالبُرصة وخارجها بلغ (863) تريليون دولار في النصف الأول من عام 2008م، مع أن الإنتاج العالمي كان يُقدر بـ(60) تريليون دولار، أي أن القيمة المالية تجاوزت عشرة أضعاف القيمة العينية. راجع: www.ibs.org.
(3) راجع الموقع: https://www.imf.org/ar/About/Factsheets/IMF-Lending.
(4) إعلام الموقعين: 2/157.

No comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *