نظرية المنفعة بين الفكر الإسلامي والفكر الوضعي*

بقلم الأستاذ الدكتور/ فياض عبد المنعم حسانين

قام علم الاقتصاد على أساس دراسة المشكلة الاقتصادية وتقديم العلاج المناسب لها. والمشكلة الاقتصادية في البحث الاقتصادي لها جانبان هما: 1 – الحاجات، 2 – والموارد. ولولا وجود الحاجات والموارد لما وُجِد علم الاقتصاد أصلاً.
والحاجة عند الاقتصاديين هي شعور بالحرمان، يقترن برغبة في الحصول على السلعة أو الخدمة. أي: أن الحاجة الإنسانية هي: الرغبة في الحصول على الوسائل اللازمة لبقاء الإنسان ولمعيشته وترقِّيه.
والمنافع هي التي تُشبع الحاجات الإنسانية، فالحاجة إلى الطعام عند الجوع يتم إشباعها بتناول المطعومات، فيشعر الإنسان بالكفاية والرضا. والحاجة إلى الشراب يتم إشباعها بشرب الماء أو بعض السوائل، وهكذا .. فوظيفة السلع والخدمات هي توفير الإشباع للحاجات الإنسانية، وهذه سنة الله في خلق الإنسان(1).
ولأن الإنسان مفطور على الترقِّي في معيشته بقواه العقلية، فإن حاجاته متنوعة، ومتطورة، ومتجدِّدة بشكل مستمرٌّ لا يتوقف، حتى تُعمَّر الدنيا وتؤسَّس الحضارات. ومع هذه الحالة، احتاج الإنسان دائمًا إلى تنظيم أوضاع حياته، بأن يسعى دائمًا سعيًا جادًّا حثيثًا إلى زيادة وجود المنافع، التي يحتاج إليها لإشباع حاجاته، وذلك عن طريق الإنتاج.
ويُعرِّف الاقتصاديون الإنتاج بأنه “عملية توليد المنافع من الموارد المتوفرة في الأرض”. أي: “توليد المنافع من الموارد الاقتصادية التي تصلح لتوليد تلك المنافع الصالحة للاستهلاك الإنساني؛ لإشباع حاجاته الملحة بمستوياتها الثلاثة: الضرورية والحاجية والتحسينية”.

الاقتصاد الإسلامي والمنافع والحاجات:

النظام الاقتصادي الإسلامي هو النظام الذي أراده الله سبحانه لتنظيم الأوضاع الاقتصادية للبشرية إلى يوم القيامة، وقواعد هذا النظام مستقاة من الوحي الإلهي في القرآن الكريم والسنة النبوية المشرَّفة، ولأن هذا الاقتصاد يهدف إلى إعمار الأرض وإسعاد البشرية وفقا للعدل والقصد بين الإفراط والتفريط؛ فإن أحد مبادئه ومقاصده هو إشباع الحاجات الإنسانية كما يدل عليه قول الله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا} [الأعراف: 31].
ولا يقتصر المقصد الشرعي على إشباع الحاجات الضرورية، بل يشمل إشباع الحاجات التحسينية، والحاجية، وهي ثلاثة درجات بعضها فوق بعض(2)، فيقول الحق تبارك وتعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 32] ، وقوله تعالى: {لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} [النحل: 8] .. إلى غير ذلك من الآيات القرآنية، التي تبيح التمتُّع بمنافع موجودات الكون التي سخَّرها الله لإشباع حاجاته، واستدامة حياته، وتطور الحضارة وترقيها، بشروط منها:

  1. عدم الإسراف والتبذير، كما في قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31]
  2. عدم إشباع الحاجات بما هو ضار أو خبيث، أو ما يترتب عليها فساد بوجه من الوجوه، كما في قوله: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157].

هذا في جانب النظرة الاقتصادية الإسلامية للحاجات، أما في جانب النظرة الاقتصادية للمنافع، فالاقتصاد الإسلامي يسعى إلى توفير المنافع الطيبة والحث على إنتاجها بالقدر اللازم، ويعتبر ذلك عملاً من أعمال البناء، بل يجعل لها أجرًا عظيمًا ويقدمه على فضول النوافل، تخفيزا على إنتاج المنافع وتوفيرها بالقدر المناسب والكافي. ونستشهد هنا بما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّفَرِ، فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ، قَالَ: فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ، أَكْثَرُنَا ظِلًّا صَاحِبُ الْكِسَاءِ، وَمِنَّا مَنْ يَتَّقِي الشَّمْسَ بِيَدِهِ، قَالَ: فَسَقَطَ الصُّوَّامُ، وَقَامَ الْمُفْطِرُونَ، فَضَرَبُوا الْأَبْنِيَةِ وَسَقَوْا الرِّكَابَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالْأَجْرِ»(3).
هذه هي النظرة المتكاملة للحاجات والمنافع في الاقتصاد الإسلامي، فلا اعتراف بالحاجات الخبيثة، ولا إنتاج المنافع للفساد، بل للصلاح والعمران. وهذا هو المنظور المادي لعبادة الله التي تتمثل في الإعمار والتنمية والسعي الحثيث لإشباع الحاجات وفق أفضل الصور والأساليب وأقوم الأخلاق وأحسنها، فهي تجمع المواصفات التقنية والأخلاقية التي تؤدي إلى إعمار الأرض كما يقول الرائد صالح كامل رحمه الله: “إن العبادة بالمنظار المادي تعني: الإخلاص في العمل، وفي بذل الجهد، وفي الأمانة، ومراعاة مصالح صاحب العمل، وحفظ أسراره؛ وبالتالي تتمثل في العبادة الحقة كل المتطلبات لأداء عمل متقن راقٍ، يُسهم إيجابًا في دعم التنمية والإعمار”(4).

المنفعة في القرآن الكريم:

لقد وردت كلمة المنافع في القرآن الكريم في ثمانية مواضع، في سورة البقرة [الآية: 219]، وفي النحل [الآية: 5] ، وفي الحج في آيتين [الآية: 28] و[الآية: 33] ، وفي المؤمنون [الآية: 21] ، وفي يس [الآية: 73] ، وفي غافر [الآية: 80] ، وفي سورة الحديد [الآية: 25].
ففي البقرة: قال الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة: 219]، وتؤسس هذه الآية لقاعدة أساسية من قواعد النظام الاقتصادي في الإسلام، وهي قاعدة: تطهير إنتاج المنافع الاقتصادية من الفساد. والتي تقتضي تحديد نوعية المنافع المنتجة في الاقتصاد الإسلامي بأنها المنافع النظيفة، فإنتاج المنافع وتوفيرها مقصد مشروع في الاقتصاد الإسلامي، لكنه مشروط بنظافة تلك المنافع وطهارتها ومنع وجود الفساد فيها كسبًا واستهلاكًا. قال تعالى: { قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ} [المائدة: 100] ، وقوله: { وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157].
وفي آية سورة الحج جاءت الإشارة إلى المنافع في قوله تعالى في مثال بهيمة الأنعام {لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 33]، وقد اقتضى تخصيص المنافع بأن الانتفاع يكون بخصائص هذه البهيمة المختلفة دفعا لتوهم حرمة الانتفاع لكونها هَديًا(5)، كما جاءت الكلمة نكرة مجموعة للتعظيم، وبيان كثرة منافعها وتعددها؛ لتشمل المصالح الدنيوية من التجارة، والربح، والزراعة، والنقل، والطعام، والشراب، والملابس… الخ، ثم المنافع الدينية التي أشار إليها قوله تعالى: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 33] بنيل الأجر والثواب من الله عن توجيه الهدي إلى الفقراء والمساكين.
ويقرر الاقتصاد الإسلامي أن الترقي في إنتاج المنافع مقصد مطلوب لأنه يلبي مقاصد الشرع بدرجاتها الثلاث، ويحقق هدف الإعمار؛ لأن التوسع في المنافع يجلب معه منافع ومصالح أخرى، منها: التوسعة على الناس في أسباب الرزق، واستقرار الأسعار، والقضاء على الفقر، ورواج الأسواق، والانتفاع بالملكات العقلية في الابتكار والتجديد لكيفيات وتقنيات إنتاج المنافع، واستخدامها في ترقية المعيشة وتطويرها؛ ولهذا فليس هناك حد أقصى لكمية إنتاج المنافع المشروعة، لكن القيد هو في كيفية استعمالها بدون إسراف أو تبذير، وهذا أيضًا يحقِّق هدف الاستدامة في الحفاظ على الموارد الاقتصادية.

المنفعة والقيمة في الفكر الاقتصادي:

إن ورود كلمة المنافع في عدة مواضع في القرآن الكريم أمرٌ يستدعي النظر والتأمُّل وإعمال الفكر، فلابد أن تكرارها يشير إلى أهمية هذه القضية في حياة الإنسان، ولقد أثبت تطور الفكر الاقتصادي في مسيرته الممتدة، هذه الحقيقة حينما قرر أهمية المنفعة وأثرها في عدة جوانب من جوانب التحليل الاقتصادي.
فمنفعة السلعة أو الخدمة هي إحدى العوامل المحددة لقيمتها التبادلية، ولا قيمة لسلعة بدون منفعة؛ وبناء على ذلك تم تحديد السلع الاقتصادية بأنها تلك السلع التي تقدم المنفعة لحائزها، أو للمنتفع بها، أو للمستهلك. فوجود منفعة في الشيء هو شرط ضروري -بالتعبير الاقتصادي- لأن يكون سلعة اقتصادية، وله قيمة تبادلية في الأسواق، وعلم الاقتصاد يختص فقط بدراسة السلع والخدمات الاقتصادية. أي: التي لها قيمة اقتصادية، وقيمتها الاقتصادية تتولَّد مما توفِّره من منافع تشبع الحاجات الإنسانية المختلفة، ونخلص من ذلك أن لمنفعة السلعة أو الخدمة دورًا هامًّا في تقرير قيمة السلعة أو الخدمة.
وقد شغلت قضية القيمة أو نظرية القيمة حيِّزا كبيرًا من الاهتمام لدى طائفة واسعة من الاقتصاديين، على مدار عقودٍ متطاولة من تطور الفكر الاقتصادي، وكانت المنفعة حجر زاوية في هذا الفكر الاقتصادي، وعاملا مهما من عوامل تحديد القيمة الاقتصادية للسلع والخدمات في الأسواق، ويرجع ذلك إلى الدور الكبير الذي تضطلع به القيمة في توجيه الموارد على نحو كفء للأغراض الاقتصادية المختلفة.

مدرسة المنفعة في الفكر الاقتصادي الوضعي والإسلامي:

ظاهرة القيمة من أقدم الظواهر التي شغلت فكر الفلاسفة ورجال الاقتصاد على مر العصور، منذ عهد أرسطو 384–322 ق.م إلى توماس الأكويني 1225–1274م، وعُنِي بها المفكرون المسلمون من أمثال: أبي الفضل جعفر بن علي الدمشقي [?? – بعد 570 هـ/1175 م]، الذي قدَّم تحليلاً رصينًا رصد تفاوت قيم السلع والخدمات في الأسواق وأشار إلى العوامل المسببة لذلك التفاوت.
كما قدم الدلجي (770؟ – 838 هـ = 1368؟ – 1435 م) أيضًا تناوُلاً متميزًا في نظرته إلى المنفعة وأثرها في تحديد قيمة السلع والخدمات.
أما ابن خلدون (732 – 808 هـ = 1332 – 1406 م) فكان له الدور الأبرز في هذا الميدان. فقد كتب في مقدمته فصولاً كاملة في تفسير أسباب اختلاف قيمة السلع في الأسواق، وكانت المنفعة عاملاً مهمًا في تحديد قيم تلك السلع في الأسواق. وكان تحليله، وفكره، ومنهجه التطبيقي أهم الركائز التي استند إليها التحليل الاقتصادي الغربي فيما بعد في تطور الفكر الاقتصادي.
ثم جاء ويليام ستانلي جيفونز 1835–1882 م وليون فالراس 1834–1910 م وكارل منجر 1840–1921 م في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر بنظرية المنفعة في القيمة. أي: أن القيمة تتناسب مع المنفعة، وقد شكَّلت كتابات هؤلاء الأعلام الاقتصاديين ما عُرِف باسم المدرسة الحدِّية، أو المدرسة التقليدية الحديثة، حيث استخدمت مفهوم المنفعة الحدية. أي: منفعة الوحدة الأخيرة من السلعة، بمعنى: أن العبرة في تحديد قيمة السلعة يكون بمنفعة الوحدة الحدية، واستطاعت تلك المدرسة أن تفسِّر سبب التناقض بين قيمة الاستعمال وقيمة المبادلة، وخلصت إلى أن قيمة السلعة تتحدد بناء على منفعتها الحدِّية. أي: منفعة الوحدة الأخيرة، وليست منفعتها الكلية.
وأخيرًا، استقر الفكر الاقتصادي على أن قيمة السلع تتحدد بالطلب عليها، والعرض لها، وأن الطلب على السلعة يأتي من الحاجة إلى المنفعة التي تولدها تلك السلعة، أما العرض فيعكس تكلفة توفير هذه السلعة، وبذلك استقرت النظرية الاقتصادية على أن منفعة السلعة هي محدد رئيسٌ من محددات قيم السلع والخدمات في الأسواق.
هذه الحقيقة، التي عرضها المفكرون المسلمون مثل الدمشقي، والدلجي، وابن خلدون، قبل أن يتوصَّل إليها الفكر الاقتصادي الغربي المعاصر، لكن مع اختلاف في طريقة العرض؛ قد عرضت لها المدرسة الاقتصادية الغربية في صورة عصرية مؤسَّسة على نظريات، ومفاهيم، وفروض، واستدلال نظري وتجريبي؛ ولهذا جاءت متكاملة متناسقة، ولا يعني هذا إنكار فضل علماء المسلمين في الإشارة إلى المضمون الكلي لهذه النظرية ووضع فروضها الأساسية.
والخلاصة: أن النظر والفكر المستقيم في آي القرآن الكريم من المنظور الاقتصادي يكشف لنا عن إعجاز اقتصادي سابق لما تتوصل إليها التجارب البشرية، {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 41، 42].

* سائر ما في هذا المقال من تعليقات وتوثيق هو من قبل لجنة التحرير والمراجعة بمنتدى البركة.
(1) وقد خلق الله سبحانه لعباده كل وسائل إشباع هذه الحاجات وتكررت الإشارة إليها في آيات القرآن الكريم بما يصعب حصره، ونمثل لها بقوله تعالى: {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6) } [النحل: 5، 6] وقوله تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} [النحل: 81]، وفي القرآن نظرية متكاملة عن الحاجات بمختلف أنواعها، ووسائل إشباعها، وطرائق هذا الإشباع وضوابطه المعتدلة.
(2) الأمر الضروري: هو ما تقوم عليه حياة الناس ولابد منه لاستقامة مصالحهم، وإذا فُقِد؛ اختل نظام حياتهم، ولم تستقم مصالحهم، وعمت فيهم الفوضى، والمفاسد. والأمور الضرورية للناس بهذا المعنى ترجع إلى حفظ خمسة أشياء: الدين والنفس، والعقل، والعرض، والمال، فحفظ كل واحد منهما ضروري للناس. ونمثل للضروري بالحاجة إلى الطعام والشراب والملبس وكل ما يلزم للبقاء على قيد الحياة.
والأمر الحاجي: هو ما تحتاج إليه الناس لليسر والسعة، واحتمال مشتاق التكليف، وأعباء الحياة، وإذا فُقِد؛ لم يختل نظام حياتهم ولم تعم فيهم الفوضى، كما إذا فقد الضروري، ولكن ينالهم الحرج والضيق. والأمور الحاجية للناس بهذا المعنى ترجع إلى رفع الحرج عنهم، والتخفيف عليهم ليحتملوا مشاق التكليف، وتيسر لهم طرق التعامل والتبادل وسبل العيش. ونمثل للحاجي بما ييسر المعيشة كأن يكون الطعام بالكفاية اللازمة لأداء المهام ويسر الحياة، وكذلك الحال في سائر الإشباعات.
وأما التحسيني: فهو ما تقتضيه المروءة والآداب وسير الأمور على أقدام منهاج، وإذا فُقِد؛ لا تختل حياة الناس كما إذا فقد الأمر الضروري، ولا ينالهم حرج، كما إذا فقد هذا الأمر الحاجي، ولكن تكون حياتهم مستنكرة في تقدير العقول الراجحة والفطر السليمة. والأمور التحسينية للناس بهذا المعنى ترجع إلى مكارم الأخلاق ومحاسن العادات وكل ما يقصد به سير الناس في حياتهم على أحسن منهاج. ونمثل للتحسيني بما يدخل في عداد الكماليات والزينة التي تميل إليها النفوس وتتطلبات مظاهر الحضارة. ينظر: الموافقات، للشاطبي (2/ 17) وعلم أصول الفقه، عبد الوهاب خلاف (ص: 199)
(3) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب فضل الخدمة في الغزو، صحيح البخاري (4/ 35) حديث رقم (2890)، ومسلم، كتاب الصيام، باب أجر المفطر في السفر إذا تولى العمل (2/ 788) حديث (1119).
(4) هذا فهمي للزكاة، ضمن الأعمال الكاملة تحقيق ونشر منتدى البركة (ص 480).
(5) ينظر: التحرير والتنوير (17/ 257).

Comments are disabled.