انطلقت بالقاهرة، يوم الثلاثاء 16 ديسمبر 2025، أعمال مؤتمر منتدى البركة الإقليمي الخامس تحت عنوان: “المالية الإسلامية والاقتصاد المستدام: ابتكارات لتمويل التنمية ومعالجة أزمات الديون”، وذلك بالشراكة الاستراتيجية مع جامعة الدول العربية، وتحت رعاية معالي السيد/ أحمد كجوك، وزير المالية – جمهورية مصر العربية، بفندق الفورسيزونز – نايل بلازا.

حفل الافتتاح

أكد سعادة الأستاذ يوسف حسن خلاوي، الأمين العام لمنتدى البركة للاقتصاد الإسلامي، خلال كلمته الافتتاحية، أن ما يشهده العالم اليوم لا يُعد مجرد أزمة مالية عابرة، بل هو طغيان واضح في الميزان الاقتصادي العالمي بلغ مستوى يصعب إصلاحه من داخل المنظومة ذاتها، مشددًا على أن إقامة العدل الاقتصادي يستلزم تغييرًا جذريًا بهذه المنظومة، وعدم الاكتفاء بإصلاحات شكلية ثبت فشلها.
وأوضح أن اختيار القاهرة لاستضافة المؤتمر لم يكن عشوائيًا، بل جاء إيمانًا بدور مصر التاريخي كمرجعية معرفية وخبرة إنسانية قادرة على فهم تحديات الدول الناشئة، والمساهمة في بناء مقاربة تنموية عادلة تحمي الإنسان والأرض ومستقبل الأجيال القادمة.
من جانبه، أعرب سعادة السفير حسام زكي، الأمين العام المساعد رئيس مكتب الأمين العام لجامعة الدول العربية، عن تقديره للمكانة المميزة التي اكتسبتها سلسلة مؤتمرات منتدى البركة الإقليمية، والتي أصبحت منصة تفاعلية ذات احترام وتأثير تجمع الخبراء وصناع السياسات والممارسين في المجالات الاقتصادية.
وأكد حرص جامعة الدول العربية على دعم مساعي الدول الأعضاء نحو تعزيز الاستدامة المالية والتحول الأخضر وتنمية مصادر التمويل، من خلال أدوات تمويل مبتكرة وخلاقة بعيدة عن الأدوات الكلاسيكية التي لم تعد قادرة بمفردها على تحقيق الأهداف المنشودة.
بدورها، أكدت معالي الدكتورة هالة السعيد، مستشار رئيس الجمهورية للشئون الاقتصادية، أن قضية المديونية لم تعد مجرد أزمة مالية، بل تحولت إلى قضية تنموية متكاملة تمس قدرة الدول على تمويل التعليم والصحة والبنية التحتية وتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة، في ظل أزمات عالمية متداخلة وغير مسبوقة.
وأشارت إلى أن الأزمات الأخيرة كشفت محدودية نماذج التمويل التقليدية القائمة على الاقتراض قصير الأجل، ما يفرض ضرورة تنويع مصادر التمويل، وتوسيع الشراكة مع القطاع الخاص، وربط التمويل الحقيقي بالتنمية المستدامة، مؤكدة أن التمويل الأخلاقي يمثل مدخلًا أساسيًا لتحقيق العدالة التنموية.
وخلال فعاليات حفل الافتتاح، وكتعبير عن الشكر والتقدير، كرّم سعادة الأستاذ يوسف حسن خلاوي، وسعادة السفير حسام زكي، معالي الدكتورة هالة السعيد، مستشار رئيس الجمهورية للشئون الاقتصادية، بدرع الراحل الشيخ صالح كامل، مؤسس منتدى البركة، رحمه الله.
كما كرّم سعادتهما بنك البركة مصر، الراعي البلاتيني لمؤتمر منتدى البركة الإقليمي الخامس، ممثلًا بالدكتور/ حسنـين عبد المنعم، رئيس قطاع الرقابة والتدقيق الشرعي، بالبنك، حيث تسلّم درع الشيخ الراحل.
كما شهد المؤتمر تدشين منتدى البركة تقريره الجديد من سلسلة تقارير البركة الاقتصادية بعنوان «التحويلات المالية الشخصية في دول منظمة التعاون الإسلامي 2017–2024»، والذي يُسلّط الضوء على الدور المتنامي للتحويلات المالية بوصفها أحد أكثر التدفقات استقرارًا وتأثيرًا في حياة الأسر ودعم النمو الاقتصادي.

الجلسة الحوارية الأولى

تمويل التنمية في ظل أزمة الديون العالمية: دور أدوات التمويل الأخلاقي والمستدام
ترأس ﻣﻌﺎلي اﻷﺳﺘﺎذ اﻟﺪﻛﺘﻮر/ ﻣﺤﻤﻮد محيي اﻟﺪﻳﻦ، المبعوث الخاص للأمم المتحدة لتمويل التنمية المستدامة، الجلسة الحوارية الأولى، مؤكدًا أن أزمة المديونية لم تعد مسألة مالية فقط، بل أصبحت أزمة تنموية شاملة تؤثر على قدرة الدول على تمويل الاستثمار العام والخدمات الأساسية، في ظل أزمات عالمية متداخلة قلّصت الحيز المالي ورفعت كلفة التنمية، مع تراجع المساعدات الخارجية وارتفاع أعباء خدمة الدين.
وأشار إلى أن الاعتماد على مصادر غير مستقرة لتمويل البنية الأساسية يكشف هشاشة النموذج القائم وحاجته لإعادة هيكلة شاملة، مؤكدًا أن التمويل الإسلامي يقدّم نموذجًا مختلفًا يرتبط بالاقتصاد الحقيقي، ويوفّر أدوات فعّالة لتمويل التنمية المستدامة ومعالجة أزمات الديون، انطلاقًا من تحقيق المنفعة والمقاصد لا التمويل من أجل التمويل.
وخلال الجلسة، ركّز معالي الدكتور/ علي محسن اسماعيل العلاق، محافظ البنك المركزي العراقي، على الضغوط المتزايدة التي تواجه السياسة النقدية نتيجة ارتفاع الطلب على العملة الأجنبية، لا سيما الدولار، وما يترتب عليه من تحديات للحفاظ على استقرار سعر الصرف والقوة الشرائية للمواطنين، في ظل اعتماد كبير على الاستيراد وهيمنة الإيرادات النفطية على المالية العامة.
وأوضح أن ضعف مرونة الإنفاق العام المرتبط بالرواتب والدعم والخدمات الأساسية يحدّ من قدرة الحكومة على التكيف مع تقلبات أسعار النفط، محذرًا من مخاطر التمويل التضخمي، ومؤكدًا أن البنك المركزي لا يجب أن يكون حلًا دائمًا لتمويل العجز. وشدد على أهمية تنويع مصادر الإيرادات وتعزيز القاعدة الإنتاجية، مع إبراز الدور المحوري للتمويل الإسلامي كنموذج أخلاقي وتنموي يربط المال بالاقتصاد الحقيقي.
كما سلّط معالي الدكتور/ محمد فريد صالح، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للرقابة المالية، الضوء على الدور الحاسم للأطر التشريعية والتنظيمية في تفعيل أدوات التمويل المستدام والإسلامي، موضحًا أن تطوير القواعد التنظيمية أسهم في إطلاق إصدارات ناجحة من الصكوك وسندات الاستدامة، ما أتاح تمويل مشروعات لم تكن قادرة على الوصول إلى التمويل عبر الأدوات التقليدية، وساعد على دعم الاقتصاد الحقيقي وتوفير فرص العمل.
وأشار إلى دور التكنولوجيا المالية والتمويل الجماعي في توسيع قاعدة المستثمرين، مؤكدًا أن دور الرقابة المالية يقوم على تحقيق الاستقرار المالي وحماية حقوق المستثمرين، بما يعزز الثقة في أدوات التمويل الحديثة.

الجلسة الحوارية الثانية

الأدوات الإسلامية للتنمية المستدامة: من الصكوك الخضراء إلى الوقف والزكاة
أدار الدكتور/ وليد حجازي، المؤسس والشريك الإداري، مكتب حجازي وشركاه، الجلسة، مؤكدًا أن الفكر الاقتصادي الإسلامي قدّم منذ نشأته أسسًا أخلاقية واضحة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، إلا أن التطبيق العملي للصناعة المالية الإسلامية خلال العقود الماضية ابتعد عن هذه الأسس مفضلًا الاندماج في النظام المالي التقليدي، مشيرًا إلى أن العودة العالمية لمفاهيم الاستدامة تمثل فرصة لإحياء هذه المبادئ الأصيلة.
وأكد الدكتور/ يونس صوالحي، عضو اللجنة الشرعية، بوصة ماليزيا، والخبير في المالية الإسلامية، أن الشمول المالي الرقمي يمثل مسارًا استراتيجيًا مهمًا للتمويل الإسلامي، شريطة أن يمتد إلى تحقيق مقاصد الشريعة والارتباط بالاقتصاد الحقيقي، مشددًا على ضرورة معالجة تحديات الثقة والأطر التشريعية ومحدودية المنتجات الرقمية.
واستعرض الدكتور/ حسنين عبد المنعم، رئيس قطاع الرقابة والتدقيق الشرعي، بنك البركة مصر، أبرز تحديات الحوكمة الشرعية في المؤسسات المالية الإسلامية، وعلى رأسها غياب المعايير الموحدة وتعدد الفتاوى، مؤكدًا أهمية تعزيز الشفافية وتوحيد الأطر التنظيمية بما يدعم استدامة الصناعة.
وأكد الأستاذ/ محمد عدلي القيعي، رئيس الائتمان واستثمار الشركات الإسلامي، بنك مصر، أن التحولات العالمية جعلت التمويل الأخضر والتجارة المستدامة ضرورة حتمية، موضحًا أن الأثر البيئي أصبح عنصرًا مباشرًا في القرارات الائتمانية، وأن التمويل الإسلامي يمثل إطارًا داعمًا للتنمية المستدامة.

الجلسة الحوارية الثالثة

الابتكار المالي والتقنيات الناشئة: آفاق جديدة لتعزيز دور الاقتصاد الإسلامي في التنمية العالمية
أدار الدكتور/ وسيم المتولي، رئيس قطاع التخطيط الاستراتيجي، بنك البركة مصر، الجلسة، مؤكدًا أن الابتكار المالي والتقنيات الناشئة أصبحا عنصرين حاسمين في تطوير الاقتصاد الإسلامي، الذي يقترب حجمه عالميًا من 4 تريليونات دولار، مستعرضًا تجارب دولية ناجحة في الصكوك والزكاة الرقمية، إلى جانب جهود البنك المركزي المصري في دعم التكنولوجيا المالية والشمول المالي.
وأكدت الدكتورة/ مروة محمد عماد صالح، مدير الإدارة العامة للقضايا الاقتصادية، مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لرئيس مجلس الوزراء، أن التكنولوجيا المالية أداة محورية لتحقيق الشمول المالي، مشددة على أهمية السياسات التشريعية والتنظيمية في توجيه هذا التطور، ومشيرة إلى التقدم الذي حققته مصر في البنية التحتية الرقمية.
وأوضح الأستاذ الدكتور/ حسين عبده، أستاذ التمويل والبنوك – كلية نيوكاسل للأعمال، جامعة نورثامبريا، أن التحول الرقمي يفرض واقعًا جديدًا على القطاع المصرفي وسوق العمل، مؤكدًا ضرورة تكامل أدوار الحكومات والبنوك والمؤسسات التعليمية لإعداد كوادر المستقبل.
وأكد الدكتور/ أحمد شوقي سليمان، الخبير المصرفي، وعضو الهيئة الاستشارية لمركز مصر للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، أن منصات التمويل الرقمية المتوافقة مع الشريعة أسهمت في تسريع دراسة الحالات وتحسين جودة القرار الائتماني، ودعم نماذج المشاركة والمضاربة، بما يعزز كفاءة التمويل وانتشاره.
واختتم مؤتمر منتدى البركة الإقليمي الخامس أعماله بالتأكيد على أن المالية الإسلامية، عبر أدواتها الأخلاقية والمستدامة، تمثل مسارًا واقعيًا لدعم التنمية الشاملة ومعالجة أزمات الديون وبناء اقتصاد أكثر عدالة واستدامة.

Comments are disabled.